سيد القمني

إن من يحاولون رأب الصدع بين شقيقي الوطن، عادة ما يبذلون جهدا كبيرا لإيجاد مستند شرعي لموقفهم، وما يجدون إلا القليل النادر. من قبيل وصف القرآن الكريم للمسيحيين بأن منهم قسيسين ورهبان وأنهم لا يستكبرون وأخذهم بالرأفة لأنهم أكثر الناس مودة للمسلمين، بعكس اليهود الذين هم الأشد عداوة. إضافة إلى بضع أحاديث نوادر كخير الأجناد من مصر والإستيصاء بأقباط مصر خيرا،

وكلها أحاديث آحاد هي ما يتم رفضه بداية عند فتح باب النقاش مع الذين يرون أنهم قد خولوا برعاية الشريعة، وذلك اعتمادا على آية السيف التي نسخت آيات حرية الإعتقاد وما لحقها من أحاديث النبي (ص).

إن الإنتقائية

لون من

انتهازية

النص المقدس

إن الصدق مع الذات منجاة، وفيه أيضا ترفع نبيل عن انتقاء نص وإخفاء آخر نقيض لكسب موقف أو نقاش، وهوما يعني أن في هذا الصدق احترام للنصوص المقدسة، التي تنص على العكس وتتصف بقطعية وثبوت المعنى والدلالة مبنى ومعنى دون التباس في العداء لأهل الكتاب. ويعني أيضا احترامنا لذواتنا بعدم الهروب من حقائق هي من ديننا الذي يجب أن نقبله ونحبه كله أو نرفضه كله، ولأن الانتقاء يوعز بأن صاحبه يحاول الهروب من موقف يشعره بالنقص أو بالعار أو بكليهما،بعد أن ترسخت حقوق الإنسان الحديثة في نفوس الناس كمبادئ عليا سامية ونبيلة. إن الإنتقائية لون من انتهازية النص المقدس وعدم احترامه ناهيك عن الأمر الأهم من كل هذا وهو أن يحدث في داخل النفس شرخ في الإيمان وما يترتب عليه من خلل في الضمير.

ستعمد هذه القراءة إلى الإيمان الذي هومطلق لا محدود، هومعنى ليس له مبنى مادي، لا يرتبط بمئذنة لم يقمها السويسريون ولاينزعج من منارة كنيسة تبنى في ضاحية من الوطن، ولا يمكن وزن ولا معرفة كميته أو معيارة، إن القراءة باللجوء لما يتضمنه مفهوم الإيمان يبتعد بنا عن اللجوء الكثيف للنصوص المقدسة، وينأى بنا عن الدخول في دهاليز لم تنتج للمتجادلين حولها أي يقين كما في المحكم والمتشابه ومدى صحة اسناد الحديث ومدى ضعفه أو حسنه، ومفهوم الإيمان يحيلنا إلى دنيا المفاهيم والتصورات القيمية، يحيلنا إلى القيم الداخلية الرفيعة للإنسان التي ورثها جينيا عن أبيه الإنسان البدائي الذي عبد إله الأرض، وكان أِشد ما يستفظع في شريعة هذا الإله الأرض هوأن تسقط عليه فوق ترابه نقطه من دماء إنسان، وكان سفك دم الإنسان جريمة كونية لا يمكن التكفير عنها.

حرق بيت يذكر فيه اسم الله

لدينا إذا مساحة داخلية واسعة اسمها الإيمان تتجاور داخل النفس الإنسانية مع رغبات تليق بها في النزوع إلى الخير ومقاومة ما يداخل النفس من نوازع الشر، بغض النظر عن المؤمن هومؤمن بأي دين كان، ومن ثم يكون اللجوء للدين مساحة للراحة النفسية المطلوبة مبنيا على الإيمان بإله عادل جميل هوالخير كله، وكلها مفاهيم لا مادية تقوم على الشعور الذي هوحجر الأساس في قبول الدين أولا كإيمان وبعد ذلك يقبل نصوص هذا الدين.

فإن تعاملنا مع حجر الأساس هذا ( الإيمان)، سنجد أكثر من منفذ يتسم أول ما يتسم بالصدق مع النفس وهوما يريحها ويطمئنها، وإعتمادا على أن بجوار هذا الإيمان في داخل النفس يقف معنى الضمير الذي يعتمد معاييرا دقيقة لتعريف معنى السلام ومعنى العدل ومعنى الصدق ومعنى الرحمة ومعنى الإنسانية. وهي مجموعة مطاليب يطلبها لنفسه وللآخرين،لأنه بالأساس قد وضع هذه القيم لأنه يريد أن يحصل عليها بدوره ليشعر بالطمأنينة والأمان، فيعممها كقواعد مطلقة للجميع حتى يطمئن أن الآخرين من المؤمنين ولوبديانة أخرى لن يعتدوا على مساحته الشخصية وسلامه وأمنه لأنهم يؤمنون.

هذا المنفذ هو التفاف من أجل تأكيد صلاحية النص وثبوته، وفي نفس الوقت عدم ضرورة التزامنا ببعض أحكام النص إذا تغيرت الظروف الزمانية والمكانية وأصبحت هذه الأحكام غير صالحة لما استجد من تطورات، وهذا المنفذ أيضا هومن صميم الإيمان ويقوم على أسسه، وإلا ما عاد إيمانا.

الكنائس ضمن

نطاق البيوت

الحرام حسب

الإيمان الإسلامي

وبما أن قوام الإيمان هوإله متفرد مطلق، وأن احترام الله وأي مكان يذكر فيه اسم الله هوخرسانة كل الأديان تحت مظلة واحده اسمها الإيمان. سنلحظ بشده أن الدين الإسلامي كبقية الأديان أول ما يقيم في نفس المؤمن هوتربية ضميره على تقديس واحترام أي بيت يذكر فيه اسم الله، وهوما ينتهي ببساطة المنطق البدهي إلى أن الكنائس التي هي بيوت يذكر فيها اسم الله قد دخلت ضمن نطاق وجغرافية البيوت الحرام حسب الإيمان الإسلامي.

الرد المتصلب قد يأتينا قائلا إن المسيحيين ما عادوا مؤمنين لقولهم إن الله ثالث ثلاثه، ولتحريفهم الإنجيل الموحى به من السماء لنبيهم عيسى، وأنهم يعتبرون عيسى إلها وهوانسان، وبذلك يكون بيتهم مكانا لذكر الأوثان ويستحق الهدم والحرق، إضافة إلى ما يحتويه هذا البيت من صور وتماثيل وأيقونات تعتبرها النصوص الإسلاميه لونا من الشرك والوثنية. الآن نقوم بتجريب اللجوء لمفهوم الإيمان وتقديس أي بيت يذكر فيه اسم الله، بدليل من القرآن الكريم نفسه ومن تاريخ الديانات وذلك أن الإسلام الذي هوضد كل أنواع الشرك ويوحد فرداً صمداً، قد قام في درس هام بحماية الكعبة المكية بهجوم جوي ساحق قضى على جيش المسيحيين وذلك في الموقعة المعروفة بعام الفيل، وقد فعل الله ذلك حماية لبيت يقدس فيه ما ينوف على ثلاثمائة صنم معبود ويذبح فيه لغير الله.

الكعبة: حمايتها بكل ما تحويه من وثنية صريحة سافرة

الدرس الواضح هنا أنه رغم أن الكعبة المكية كانت حين ذاك أعتى الحصون الوثنية في العالم فإن الله الواحد الذي لا يقبل شفعاء ولا شركاء ويرفض فنون النحت والتصوير لأنه لا يشبهه شئ، قرر حماية هذا المكان بكل ما يحويه من وثنية صريحة سافرة، حماية كانت الفريدة من نوعها في تاريخ الأديان وذلك اعتمادا على مفهوم الإيمان، فقريش كانت تعتبر هذه الأصنام شفعاء إلى رب واحد أحد وأنها كانت تماثيل لبشر صالحين طاهرين تم تقديسهم بعد موتهم، ويقرر القرآن هذا الإيمان بقوله:

 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ورب العرش العظيم ليقولن الله قل فأنى يؤفكون 

 لقد قرر الله تطبيق معنى العدل الذي هوأحد أعمدة الإيمان فرفض تأييد أحبابه أصحاب آخر ديانة سماوية صحيحة حتى ذلك الوقت، وقام بعقابهم برشقهم بأحجار من سجيل لأنهم قرروا الإعتداء على بيت يذكر فيه اسم الله، وهوما يعني حرمة هدم أو حرق الكنائس من أولئك الناشطين ضد المعاب التي يذكر فيها اسم الله،والذين يستحقون طير الله الأبابيل. ومصداقا لذلك مهما بحثت لن تجد بالقرآن أي إشارة إلى هدم أو حرق بيوت يذكر فيها اسم الله، لا كنيس ولا كنيسة ولا معبدا بوذيا أو كنفوشيوسيا. لكنه أوضح بلا لبس وأكد أن على المسلمين هدم مساجد الضرار وحرقها، وقد نفذ الرسول (ص) ذلك بحرقه مسجدا من مساجد المدينة على من فيه لأنه كانت تدار بداخله الفتن لبقية الناس ولتدمير المجتمع، الله إذا لم يأمر بهدم أو حرق الكنائس أبداً ولكنه أمر بهدم وحرق المساجد، مساجد الضرار.

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)