هاشم صالح

على الرغم من أني لا أتمتع بذاكرة حديدية على الاطلاق الا أني أتذكر أول مرة التقيت بها العفيف الأخضر. كان ذلك حوالي عام 2003 ربما. وهذا يعني أني تعرفت عليه في الشوط الأخير من حياته، أو في السنوات العشر الأخيرة. وقد تم اللقاء الأول بمبادرة منه. فهو الذي اتصل بي هاتفيا وسعدت بذلك كثيرا واتفقنا فورا على موعد في حديقة اللكسمبورغ وسط باريس.

وهناك جلسنا على مقعدين مطلين من عل على مجلس الشيوخ الفرنسي ورحنا نتحدث في كل شيء. ومنذ البداية شعرت بأننا ننتمي الى نفس الأجواء الفكرية بل وحتى النفسية على الرغم من فروقات عديدة بالطبع. فهو وحيد جدا وأنا وحيد أيضا: كلانا مرمي بالصدفة في هذا العالم، وليس لدينا أي ارتباط حقيقي بالاشياء، ولا حرص على أي شيء أصلا.

كان مهموما جدا

بوضع العرب

والمسلمين

أقصد بذلك أن وضعك كعازب أبد الدهر بدون حرث ولا نسل ولا أصل ولا فصل ولا وظيفة ولا مكتب ولاجذور ولا بذور يعطيك حرية هائلة وقوة لا مثيل لها. مكتبك الطبيعة كلها: ضفاف نهر المارن أو شواطيء بحيرة كريتيه. ماذا يستطيعون أن يفعلوا بك؟ يقتلونك؟ ليكن! لست آسفا على شيء ولا خائفا على طفل تخلفه يتيما وراءك. هذه نقطة قوة أساسية تعطيك تفوقا على جميع الأشرار الذين يتربصون بك غصبا عن أبيك وقد يطيحون بك في أي لحظة. هذه نعمة لا يعرفها المتزوجون الذين أنجبوا الأطفال وركب عليهم الهم والغم. قد يعتقدون بأني أحسدهم. أقسم بالله أني أحسد نفسي كل صباح على هذه النعمة التي لا تقدر بثمن. نعم أحسد نفسي على أني لم أرتكب هذه الغلطة التاريخية حتى الآن.

كل يوم أقول لنفسي: كيف نجوت يا عفريت من هذه الورطة، من هذه الحفرة؟ كيف نجوت بجلدك؟ احمد ربك على هذه الغنيمة. وذلك لأني أوشكت أكثر من مرة على الوقوع في الفخ. وفي كل مرة كنت أنجو بنفسي في آخر لحظة. كنت أتملص بشكل أو بآخر. أنا أكبر المتملصين في تاريخ البشرية وربما أكبر الخونة بالمعنى النيتشوي لكلمة خيانة. حياتي كلها قطيعات. حياتي كلها هروب الى الأمام. ولكن فجأة بين الحين والآخر أعود الى الوراء لكي أقف على الأطلال، لكي أبكي الذين أحببتهم وأحبوني. أعتقد أن طفولة العفيف الأخضر الأسطورية وطفولتي الكابوسية الجهنمية وقتانا الى الأبد من ارتكاب هذه الخطيئة الأصلية التي تشبه الجريمة:

هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد

على ذكر أبي العلاء المعري الذي كنا نبجله وننحني أمامه دون نقاش أقول بأن العفيف الأخضر هو أول من عرفني على هذه الأبيات الخالدة التي حفظتها منذئذ عن ظهر قلب. وكان ذلك أثناء احدى مكالماته التلفونية الطويلة جدا التي لم نكن نعرف كيف ننهيها أو قل كلما اعتقدت أنها انتهت اذا بها تنطلق من جديد. كانت مكالمات ثقافية فكرية ممتعة جدا ومن أعلى طراز. كانت عبارة عن محاضرات عامة بالمعنى الحرفي للكلمة. وكان هو المتحدث الأكبر ان لم يكن الوحيد. وفي احداها أسمعني هذه الأبيات لحكيم المعرة. ومن شدة اعجابي بها رجوته أن يكررها مرة أخرى على مسمعي لكي أسجلها على الورق. ومنذ ذلك الوقت حفظتها عن ظهر قلب وها أنذا أقرؤها عليكم الآن من الذاكرة:

أقيمي لا أعد الحج فرضا على عجز النساء ولا العذارى

ففي بطحاء مكة شر قوم وليسوا بالحماة ولا الغيارى

تراهم يدفعون الناس شفعا الى البيت الحرام وهم سكارى

اذا أخذوا الزوائف أولجوهم ولو كانوا اليهود أو النصارى

عندما قرأ على مسامعي هذه الأبيات العبقرية التي لا يقدر عليها الا المعري انفجرنا بضحك طويل بل وقهقهة خبيثة عالية. وعشنا لحظة فرح حقيقية تعقب عادة كل تحرير فكري أو شعري. ولا غرو في ذلك فكلانا صعلوك من صعالكة العرب، كلانا عريق في الزندقة والهرطقة. كلانا لا يتنفس هواء الحرية الا خارج الأبواب المغلقة. كلانا سائر على الطرقات والدروب بدون أي هدف أو سبب. وبالتالي فالحديث الذي يقول زنادقة المسلمين ثلاثة" ابن الراوندي والتوحيدي وأبو العلاء المعري" ناقص جدا في الواقع. انه ينطبق علينا أيضا. وينبغي اضافتنا الى القائمة بأسرع وقت ممكن.

العرب كلهم

كانوا عائلته

من المحيط

الى الخليج

أعتقد أنه كان سيضحك كثيرا لو سمع مني هذا الكلام وسيفرح به كل الفرح فيما وراء الموت الذي لا نعترف به أصلا. الموت هو تحرير للروح من قفص الجسد، الموت هو انتقال من حالة الى حالة. الموت حق، الموت راحة. وفي جحيم هذه الحياة العربية أي راحة! لا يوجد شيء اسمه موت، أو فناء. والدليل على ذلك أني سأخرج بعد قليل على كورنيش "الهرهورة" وسأناجيه وأتحدث معه ساعات وساعات وكأنه موجود. لن أعترف بموته لا اليوم ولاغدا. وربما قهقهت بشكل عال احتفالا بانتقاله الى مكان آخر أقل ضجيجا! وأقل ازعاجا حتما. وربما قلت بيني وبين نفسي: صحيح أني مفجوع به ولكنه على الأقل استراح. هذا هو عزائي الوحيد. وقد آن لأحد فرسان الفكر العربي أن يستريح!

بعدئذ أصبحنا نلتقي في مقهى "الشلالات" على مدخل غابة فانسين الرائعة. والسبب هو أنه يسكن "نوازي لو غران" وأنا "ميزون ألفور" وبالتالي فالمكان يناسبنا تماما أو قل يناسبني أكثر منه في الواقع لأنه يسكن بعيدا في الضواحي. وهناك كنا نتحدث في شؤون الفكر العربي الاسلامي وشجونه دون أن نشبع من الحديث. وأعترف بأن اخواننا الأصوليين كانوا يأخذون حصتهم من النقاش المحتدم. ثم نخرج بعد ساعة أو ساعتين لكي نتمشى في الحديقة ونستمتع بمرأى البحيرة والجسر الصغير وبقية المناظر الساحرة. وعندما يتعب (لأني أنا شخصيا لا أتعب من المشي) كنا نجلس على المقاعد المحيطة بالبحيرة. وما كنا نعرف كيف نفترق. . .

أعتقد شخصيا أن الصداقة الفكرية تأتي مباشرة بعد اللقاءات الغرامية. أجمل شيء بالطبع هو أن تلتقي بالمرأة التي تحبها حيث تمر الساعات وكأنها ثوان. ولكن لقاء الفكر له أيضا متعة خاصة لا تكاد تصدق. كنا نخطط لمستقبل العالم العربي في تلك اللقاءات النادرة وكنا نشعر وكأننا نغير خارطة الفكر العربي! قد تقولون: مبالغة، تهويلات، الخ. . ربما. ولكن هكذا كان شعورنا. كان مهموما جدا بوضع العرب والمسلمين ويريدهم أن يتطوروا، أن يتحلحلوا، أن يخرجوا بأقصى سرعة من حالة التخلف لكي يلحقوا بركب الأمم المتقدمة. لم تكن له عائلة شخصية ولكن العرب كلهم كانوا عائلته من المحيط الى الخليج. كان مسؤولا عنهم كلهم من موريتانيا والمغرب الأقصى الى شمال سوريا والعراق مرورا بليبيا ومصر ولبنان والعراق والخليج العربي وبالطبع تونس. ولأجل تنوير العرب وتحضيرهم كرس حياته كلها.

كان يمتلك جمالا

داخليا روحانيا لا

يمتلكه عادة الا

المفكرون الكبار

التقينا أيضا أكثر من مرة في تلك الندوات والجلسات الهامة التي كان يستدعيها المفكر الليبي المعروف الدكتور محمد عبد المطلب الهوني حوله عندما يمر بباريس. كنا نتحلق حوله ونخوض في قضايا الفكر العربي وهمومه ما شاء لنا الله أن نخوض. وفي كل مرة كان وجود العفيف ضروريا ونشعر بالنقص اذا ما غاب لسبب من الأسباب. أو على الأقل هكذا كان شعوري أنا. كان حضوره جميلا ومفرحا. وعلى الرغم من أنه –مثل فولتير - لم يكن جميلا جدا من حيث الشكل الخارجي الا أن حضوره كان من أجمل ما يكون! كان يمتلك جمالا داخليا روحانيا لا يمتلكه عادة الا المفكرون الكبار الذين خاضوا التجارب والأهوال. وكان راديكاليا في الفكر لا يهادن ولا ينافق ولا تأخذه في الحق لومة لائم. كان يدهشني بجرأته الفكرية التي لا أعرف لها مثيلا بين المثقفين العرب.

كان يذهب الى بيت القصيد مباشرة ويقول للمسلمين ما ينبغي أن يفعلوه أو لا يفعلوه. وكان يوجه الرسائل الشخصية الى رؤساء الدول العربية والاسلامية ويقول لهم أيضا ما ينبغي أن يفعلوه أو يتحاشوه. كان مهموما بمستقبل الاسلام ككل. وأعتقد أنه كان معتزا كل الاعتزاز بتراثه العربي الاسلامي. كان مغموسا به شعرا ونثرا من أعلى رأسه الى أخمص قدميه. كان يتغنى به ويترنم. من هذه الناحية فاني أشبهه أيضا. بالمناسبة ورثت عنه رسالة الغفران بتحقيق بنت الشاطيء. فقد استعرتها قبل بضع سنوات عندما كنا نلتقي في حديقة فانسين ولم أردها اليه ولم يطالبني بها.

ولكنه في ذات الوقت كان معجبا الى أقصى الحدود بالحداثة الغربية والحضارة الأوروبية. كان يقول لي: ماضيهم هو حاضرنا، وحاضرهم هو مستقبلنا.

وعلى الرغم من اتفاقي معه في الخطوط العريضة لهذا الموقف الا أني كنت غير موافق على تطرفات الحضارة الغربية. على أي حال فان أصدقاءه الخلص المقربين وعلى رأسهم تلميذه الأقرب أشرف عبد القادر يعرفون التحدث عنه وعن فكره أكثر مني. وأتمنى من كل قلبي أن يتحدث أشرف بشكل مطول عنه. لا تكفي مقالة أو مقالتان يا أشرف. نريد كتابا كاملا وأنت قادر عليه. نريد كتابا كاملا تشرح لنا فيه حياة هذا المفكر الفذ وفكره بكل دقة وبالتفاصيل الصغيرة والكبيرة. الأنظار كلها في هذه اللحظات بالذات متركزة عليك. أنت البقية الباقية. وفيك عزاؤنا.

آخر لقاء كان في روما بدعوة من الباحث الانكليزي المعروف ستيفن أولف. وقد شاركنا في ندوة فكرية هامة جمعتنا لأول مرة بنظرائنا الغربيين من انكليز وأميركان. وكانت ندوة ممتعة ومفيدة الى أقصى الحدود. وقد تمت تحت عنوان: "أصوات اسلامية من أجل العقلانية والاصلاح". وكانت أول مرة أشارك فيها بحوار الحضارات وجها لوجه وعلى أعلى مستوى. وقد تحدثت عنها أكثر من مرة في جريدة العرب الأولى: "الشرق الأوسط". وكان العفيف حاضرا طيلة الوقت على حد علمي بكل الجلسات صباحا ومساء. وقد شارك في النقاش بكل قوة وفعالية. وأعطانا النصائح والتوجهات اللازمة لانجاح حوار الثقافات والحضارات بين العالم العربي والعالم الغربي.

كان حضوره

جميلا ومفرحا

وبعد انتهاء أعمال الندوة ذهبنا لزيارة الفاتيكان. وكانت تلك أول مرة أراه فيها. وكان منظرا مهيبا حقا. وقد شعرت باهتزاز روحي حقيقي لدى رؤية هذا الصرح الديني الشامخ والصامد على مدار القرون. . وفي أثناء الطريق اليه قلت للرفاق: يا جماعة هل تعتقدون بأن العفيف الأخضر مريض حقا؟ لقد رأيته يأكل بشراهة. أخشى أن يقبرنا جميعا! فانفجرت رجاء بن سلامة بالضحك وقالت: "والله أنا أيضا أصبحت لدي شكوك. تصرفاته لا تدل على أنه مريض الى هذا الحد".

ثم أكملنا الطريق نحو الفاتيكان ونحن نمني النفس الأماني. . كل ما في الأمر هو أننا لا نريده أن يرحل ونصبح يتامى. وفي احدى جلسات العشاء حصل شيء بسيط أثار مشاعري وزاد من اعجابي به. فقد طلبت شوربة لذيذة جدا مرتين ولما لم أستطع اكمال الصحن الثاني قال لي: اعطني صحنك لكي أكمله. وبالفعل فقد أكل ما تبقى من الصحن كليا وبشهية عالية. وفوجئت جدا بموقفه. وكانت تلك أول مرة يأكل أحدهم من صحني. أنا شخصيا يصعب علي جدا أن آكل من صحن أي شخص كائنا من كان. فاعتبرت ذلك أكبر دليل على مدى انسانية هذا المفكر الكبير وتواضعه.

وفي أثناء الوداع حصل أيضا شيء آخر أثار انتباهي: فبعد أن ودعته وقبلته هو وأشرف عبد القادر مشى بضع خطوات وأنا واقف على باب الفندق ثم استدار الى الوراء فجأة لكي ينظر نحوي مرة أخرى. كانت ترتسم على وجهه ابتسامة ساخرة نسبيا ولكن طيبة جدا. لكأنه كان يريد أن يقول لي: هذه آخر مرة نلتقي فيها يا هاشم دعني أراك قليلا. هذا هو الوداع الأخير ياصديقي، وداع لا لقاء بعده. فهمت مغزى الموقف فورا ولكني لم أستسلم للانفعال ولم أسارع لتقبيله وتوديعه مرة أخرى كما كان ينبغي أن أفعل. خفت أن يفهم ذلك على حقيقته: أي أني مدرك في قرارة نفسي بأنه سيموت. أردت تمويه الأمور، أردت ابقاء الباب مفتوحا واشعاره بأنه لن يموت. وقد تأسفت فيما بعد على ما فعلت.

وأخيرا ماذا سأقول لك أيها العفيف؟ والله اني لمفجوع بك، مفجوع بأشياء كثيرة، مفجوع حتى بنفسي!