العفيف الأخضر

في مشروع اصلاح الاسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان، حاولت التعلم من فشل محاولات الاصلاح الديني منذ القرن الـ 19. المحاولة، الأكثر جدية، كانت محاولة محمد عبده. يمكن تلخيصها في محورين: العودة إلى القرآن بعيدا عن تفاسيره المليئة بالخرافات وإحياء الاجتهاد. فيما يخصني، اقترحت قراءة النصين المؤسسين، القرآن، الحديث والتراث بعلوم الأديان المعاصرة، الوحيدة القادرة على جعل علاقتنا بمجموع تراثنا شفافة، بلا ألغاز أو أسرار تتحدى العقل البشري.

وبدلا من الاجتهاد في المباح الذي لا ضرورة له، إذ أن الفقهاء منعوا "الإجتهاد فيما فيه نص"سواء أكان قرآنا واضح الدلالة أو حديثا صحيحا، اقترحت على الفقهاء المعاصرين العودة إلى النسخ، الذي دشنه القرآن نفسه، بنسخ الآيات التي لم تعد متكيفة مع المستجدات أو طالب الصحابة بنسخها...  واقترحت على صناع القرار الفصل بين الدين والدولة وبين المؤمن والمواطن عملا بمبدأ الحداثة: الفصل بين الاختصاصات: رجال الدين يقودون المؤمنين في أمور دينهم والسياسيون يقودونهم في أمور دنياهم.

محمد عبده: العودة إلى القرآن بعيدا عن تفاسيره المليئة بالخرافات

المحاولات الإصلاحية السابقة لم تعي خطر تذويب الفرد في الأمة، الذي شكل وما زال أحد العوائق الكبرى للدخول إلى الحداثة. تدراكت ذلك جاعلا أولوية مشروعي هي ميلاد الفرد الحديث. فمن هو الفرد الحديث؟ هو الفرد المالك لفرجه ورأسه. فرجه يتصرف فيه  على هواه في اطار القانون الوضعي العقلاني، الذي لا يمنع الحب بين الراشدين الراضين،  ويتصرف في رأسه يفكر به كيف شاء بعيدا عن الرقابة والرقابة الذاتية وعن كل عقاب أو تهديد به.

الفرد المستقل والحر الذي يفكر بنفسه، يقرر مصيره في حياته اليومية بنفسه، يختار تدينه الشخصي بنفسه ولا يتردد في مساءلة تدينه أو الشك فيه. هذا الفرد يليق أن يكون منذ الآن رهان كل اصلاح واع بأهدافه وأولوياته. لماذا؟ أولا لأن الفرد المّذوب في الأمة هو النواة الصلبة لإيديولوجيا الإرهاب الإسلامي، وثانيا لأن هذا الفرد، المؤمن كشخص والعلماني كمواطن، هو المؤهل للتصالح مع العالم الذي يعيش فيه. بلا خوف هستيري منه ولا تكفير هاذ له،  مستفيدا من ايجابياته ومشاركا في صنعها، ومخففا من سلبياته سواء بالانخراط في جمعيات المجتمع المدني المتخصصة في ذلك، أو بوسائل أخرى سلمية. ميلاد هذا الفرد بكثافة هو الوعد الذي يحمله، أو ينبغي أن يحمله، كل مشروع اصلاحي معاصر.

مشروع الاصلاح، لكي يكون منتجا، لابد له أن يكون جزءا لا يتجزأ من مشروع اصلاحي كامل، يشمل اصلاح جميع القطاعات الأساسية:

اصلاح صناعة القرار بنقلها من الرئيس الملهم ومستشاريه، الذين هم غالبا يحتاجون إلى من يشير عليهم بالرأي الحسن، إلى المعاهد المتخصصة في صناعة القرار بالعلم ومستعينة بالكمبيوتر، اصلاح صناعة القرار هو عمليا اصلاح لباقي القطاعات الأخرى. مرض دول أرض الإسلام هو افتقادها المأساوى للقرار الواقعي، الذي لا تصنعه إلا المعاهد المتخصصة فيه، تستنير به في سياستها الداخلية والخارجية. لو امتلكت مثل هذا القرار لبادرت منذ عشرات السنين إلى:

الفرد المّذوب في

الأمة هو النواة

الصلبة لإيديولوجيا

الإرهاب الإسلامي

اصلاح الديمغرافيا، بنزع فتيل قنبلة الإنفجار السكاني. كيف؟ بالإنتقال إلى العائلة النووية،  المتكونة من أم، أب وطفل واحد. باستخدام الوسائل البيداغوجية والتشريعية والحوافز المادية والرمزية مثل تنوير الآباء، وخاصة الأمهات، بمخاطر الانفجار السكاني على مستقبل بلادهم التي ستبقى رهينة التخلف،  وعلى مستقبل أطفالهم الذين ستكون غالبيتهم بلا مستقبل، أي بلا عمل أو سكن أو أسرة. وبأن أطفالهم قد يكابدون الأمية والبطالة والجنوح خاصة بسبب الفشل في اجتياز مراحل الشوط المدرسي؛ وبتشجيع الإجهاض الطبي المجاني، كما فعلت تونس منذ 1961، وتشجيع العزوبة في الإعلام والتعليم بدلا من جعلهما، كما هما الآن، تحت حكم أقصى اليمين الإسلامي، وسيلة لتأنيب وتذنيب الأمهات العازبات لمخالفتهن لحديث: "المرأة الودود الولود"التي أشادت بها السنة! الأمهات العازبات يكتفين عادة بطفل واحد، والإعتراف لهن بجميع حقوق الأمهات المتزوجات، وقطع المنحة العائلية، حيث توجد كما في تونس، بعد الطفل الثاني مثلا؛

إصلاح التعليم والتعليم الديني بالانتقال من المدرسة الحالية السلفية، التي ُتخرّج العاطلين وأنصاف الفقهاء، إلى المدرسة العقلانية السائدة في العالم،  التي تكوّن عمال القرن الـ 21: التقنيين، المهندسين، الباحثين، العلماء والأطباء؛

إصلاح اللغة العربية بنقلها من لغة القرآن فقط إلى لغة العلم والتكنولوجيا أيضا وخصوصا.

اصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان(انظر العفيف الأخضر: اصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان)، كفيل بإصلاح الإسلام خلال جيل(25 عاما). خريجو هذا الجيل سيكون منهم صناع قرار أجيال الغد بالعلم.

لماذا ضرورة إصلاح الإسلام بعلوم الأديان؟

تدمير تماثيل باميان: العدوان على الذاكرة

لأنها الوحيدة التي تساعد على فهم الظاهرة الدينية في جميع أبعادها. وهكذا تجعل علاقة المسلم بدينه شفافة لتحريره من اللامعقول الديني وتنويره بالعقلانية الدينية التي لا تقبل من الدين ما ينافي قيم مواثيق حقوق الإنسان ومؤسسات وعلوم العالم الذي نعيش فيه. عكسا لدراسة الدين بالدين السائدة اليوم، التي عززت وما تزال الرق النفسي للأسلاف الذي يفرض كوادر ذهنية تتحكم في التفكير والسلوك فتجعل قطاعا واسعا من المسلمين يرى في أسلافه أبطالا جديرين بالتقليد، وفي معاصريه أنذلا جديرين بالكراهية والتكفير؛

إحياء العقلانية الإعتزالية والفلسفية والتأويل للنص على ضوء العقل عند ابن رشد أو على ضوء مقاصد الشريعة عند الشاطبي ضروري، بل ضروري جدا، لكنه لا يغني عن دراسة وتدريس تراث الإسلام وشخصياته التاريخية وأساطيره ورموزه بعلوم الأديان الحديثة، التي برهنت عن جدارتها في دراسة التراث اليهودي والمسيحي. مثلا النتائج المهمة التي أعطتها الأركيولوجيا في إسرائيل بجعلها تاريخ اليهودية أكثر فأكثر شفافا. لذلك كتبت وطالبت، في رسائل خاصة لحكام السعودية، بالسماح للبعثات الأركيولوجية الإجنبية بالتنقيب في الحجاز، كما نددت  بمواصلة المتعصبين الوهابيين تدمير الآثار الإسلامية في السعودية، من مقبرة البقيع إلى قبور الصحابة وقد أوشكوا على تدمير قبر محمد نفسه لولا تهديد مسلمي الهند بالتدخل العنيف...  آخر جرائمهم تحويل بيت خديجة، المكتشف حديثا،  إلى مرحاض عمومي في 2005! وهكذا ُيسمح للمصابين بالخوف الهستيري من العودة إلى عبادة الأصنام بالعدوان على ذاكرة المسلمين والبشرية والكنوز الأركيولوجية دون رادع!

مرض دول أرض

الإسلام هو افتقادها

المأساوى للقرار

الواقعي

اصلاح الإسلام بالتشريع الحديث: نسخ الأحوال الشخصية الشرعية وتعويضها بأحوال شخصية حديثة مرجعيتها الإتفاقية الدولية "لمنع التمييز ضد المرأة". أو كبداية، الانطلاق، كحد أدنى، من"مجلة الأحوال الشخصية"التونسية التي ألغت تعدد الزوجات والطلاق التعسفي جاعلة له حقا للزوجين أمام القاضي، ألغت رئاسة الزوج للعائلة محولة لها إلى شراكة بين الزوجين، ألغت دونية وقصور المرأة بالإعتراف بحقها في تزويج نفسها واعترفت بقانون التبني.

إتمام هذه المجلة يتطلب اليوم الإعتراف للمرأة بحقها في الزواج ممن تحب من غير المسلمين، الذي أفتى به الترابي، وبالمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، كما أفتى بذلك الترابي أيضاً ناسخاً آية التفاوت في الإرث بين الذكر والأنثى(النساء 11)، وبالإعتراف للمرأة غير المسلمة بحقها في حضانة أبنائها المسلمين، في حالة الطلاق والترمل، وإرث زوجها وأبنائها المسلمين لوضع حد لهذه الفضيحة العنصرية الدينية!.

نسخ فقه الذمة والقوانين الحالية التي استلهمته خاصة في مصر والاعتراف القانوني بحقوق المواطنة الكاملة لغير المسلمين والأقليات الأخرى تطبيقا للإتفاقية الدولية لـ "حماية الأقليات"؛

الاعتراف بحقوق الطفل التي ضمنتها له الإتفاقية الدولية لحماية الطفل، والتي حولتها تونس في السنوات 1990 إلى قانون وطني.

كل اصلاح يمر بطورين، ليستبطنه الوعي الجمعي، طور كتابته في تشريع وطور انطابعه في الذهنية الجمعية. هذه المهمة الأخيرة يتكفل بها الإعلام والتعليم والخطاب الديني المستنير. بالمناسبة تحالف العلمانيين مع المسلمين المستنيرين ضرورة لتسريع إصلاح الإسلام ؛

الترابي: ناسخ التفاوت بين الذكر والأنثى

اصلاح الإقتصاد بدمجه في الإقتصاد العالمي وتشجيع السياحة والإستثمار الخارجي اللذين يرى فيهما أقصى اليمين الإسلامي تبعية وتهديدا للهوية. ألم يصرح مستشار الحكومة الإسلامية في تونس، في مؤتمر النهضة، بأن: "السياحة بغاء سري"؛ ألم يطالب الغنوشي بالسياحة "الحلال": فنادق للرجال وفنادق للنساء.

اصلاح اللغة العربية بجعلها لغة العلم والتكنولوجيا بدل لغة القرآن فقط، وبتعريب [=المحافظة على الكلمة كما هي في لغتها الأصلية وكتابتها بالأبجدية العربية ]المصطلح كما  عبرنته العبرية، التي غدت بمعجمها المصطلحي لغة هندو ـ أوربية ناقلة للعلوم والتكنولوجيا على قدم المساواة مع اللغات الأوربية(العفيف الأخضر: الأصولية تعيق تطور العربية: قضايا فكرية،  الكتاب السابع والثامن عشر، مايو 1997).

تتوقع الدراسات المستقبلية أن يكون الشرق الأوسط، في العقدين القادمين، مسرحاً للحروب الدينية وغيرها. إصلاح الإسلام قد يساعد نخبه وجمهوره على تحويله إلى إقليم مسالم، يتعاون سكانه على مكافحة الأخطار البيئية، والفقر،  والأمية،  والبطالة،  والانفجار السكاني والتفاوت الاجتماعي بين الطبقات والتنمية المستدامة بدل اقتصاد الحرب والتبذير السائد.

الصناعة الوحيدة التي أقامها محمد علي كانت حربية، ودشن عبد الناصر مشروعه الصناعي بالمصانع الحربية. أما صدام حسين فقد ظل طوال حكمه يلهث وراء امتلاك أسلحة الدمار الشامل، عناد ملالي طهران الانتحاري لإمتلاك السلاح النووي، كل ذلك يندرج في ديناميك الثأر التاريخي من"دار الحرب".  لماذا؟  في آخر تحليل ليأخذوا ثأرهم من تفوق أوربا على المسلمين في القرن الـ 16 بإمتلاكها السلاح الناري الذي هزم مماليك مصر ومقاومة عبد القادر الجزائري!

أكتب هذه المداخلة تحت وقع مظاهرات السعار النرجسي ضد الفيلم الإستفزازي عن نبي الإسلام. ربما كان من المفيد توضيح بواعث رد الفعل الانفعالي العاصف بغياب اصلاح الإسلام، الذي غيب بدوره تحديث وتمدين الذهنيات والسلوكيات العربية الإسلامية العتيقة إلى درجة أنها ترد على كاريكاتور بالعنف!

واقعة الاستعمار، التي حولت العرب والمسلمين من سادة امبراطورية فاتحة إلى أذلاء في امبراطورية مفتوحة، أصابتهم بجرح نرجسي، أي بعملية خصاء لفحولتهم النفسية،  دمرت ثقتهم بأنفسهم، جعلتهم يشعرون بالعار من نفسهم لعجزهم المزدوج: عن أن يكونوا جديرين بأسلافهم وأن يكونوا منافسين لمعاصريهم من (الكفار). الله جعلهم: "خير أمة أخرجت للناس" (آل عمران 110)، لكنهم، بتهاونهم في تطبيق تعاليم دينهم، حولوا "خير أمة" إلى آخر أمة عقابا لهم. تخلى الله عنهم، لتخليهم عن دينه بالعودة إلى "جاهلية القرن العشرين" في هذيان سيد قطب و"التصحر الديني" في هذيان راشد الغنوشي. كلاهما استلهم حديثين يعبران عن هذيان نهاية العالم الشيكزفريني: "بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريباً كما بدأ" و"ارتفاع القرآن من صدور الرجال" كإحدى علامات قيام الساعة!.

محمد علي وصناعته الوحيدة (رسم من رسام مجهول من 1840 م)

هذا الهذيان الديني شل العرب والمسلمين عن التفكير في القرار الوحيد الكفيل بشفاء جرحهم النرجسي وتضميد كرامتهم الجريحة: صنع قرار واقعي يحددون به أهدافهم الواقعية، وألوياتهم والوسائل الكفيلة بتحقيقها. ولو فعلوا لتوصلوا إلى النتيجة التي توصل إليها اليابانيون بعد هزيمتهم أمام الولايات المتحدة، في 1853 بالإستسلام دون قتال لمطلب أسطولها بفتح حدودهم أمام صادراتها وفي 1945 بعد هزيمتهم الساحقة التي حملوا، بكل شجاعة ونضج، العسكرتاريا اليابانية وحدها مسؤوليتها:  نستسلم لهم ثم نقلدهم لنلتحق بهم ونتفوق عليهم سلميا بغزو أسواقهم بمنتجاتنا.  استطاع اليابانيون اتخاذ هذا القرار الواقعي لأن دينهم، عكسا لديننا، لا يتدخل لا في الاقتصاد ولا في البحث العلمي أو الإبداع الأدبي والفني ولا في الحب بين الراشدين الراضين ولا في السياسة. كان قرار اليابانيين تقليد المنتصرين عليهم. وما كان هذا ليكون قرارنا، لأن ديننا حرم علينا تقليد "أصحاب الجحيم"، أي اليهود والنصارى.

امر "مخالفة أصحاب الجحيم حتى فيما فيه مصلحة لنا" كما يقول ابن تيمية، في "اقتضاء السراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" الذي حوله أقصى اليمين الإسلامي إلى مانفيست ديني، كان أحد العوائق التي اعتقلت عقول المسلمين عن التحليل لواقعهم والاعتراف الشجاع به والعمل على اصلاحه بدءا من إصلاح دينهم بتطهيره من العوائق التي أعاقتهم عن الاندماج في العالم الذي يعيشون فيه: بتبني مؤسساته وعلومه وقيمه الحديثة.

واقعة الاستعمار

أصابت العرب

والمسلمين بجرح

نرجسي، أي

بعملية خصاء

لفحولتهم النفسية

في الغياب الفاجع لهذا القرار السديد، سقطوا في الهذيان الشيكوزفريني: التوقعات اللاواقعية باللحاق بالغرب والتفوق عليه، إذا ـ وفقط إذا ـ عادوا إلى التقيد الحرفي بنصوص دينهم الذي كان أحد أسباب انحطاطهم والتسليم اللاشعوري بأن هزيمتهم نهائية. أعراض ذلك تتجلى في التفاؤل الساذج بالمستقبل والحنين الإكتئابي إلى "الماضي المجيد" يتسلون به عن اليأس المستبطن من المستقبل منخرطين دوريا في نوبات هستيريا جماعية، تنشط حناجرهم بقدر ما تشل تفكيرهم، أو في هذيان اضطهاد جماعي يعميهم عن تشخيص مرضهم الحقيقي الذي هو "تحريم تقليد" حضارة عصرهم!

احساسهم الجارح بهوانهم اصابهم بحساسية مفرطة من النيل من أسلافهم ورموزهم الدينية، رصيدهم التاريخي الوحيد، الذي يعيشونه كعدوان على أقدس أقداسهم، على آخر ملاذ تبقى لهم. فيردون بثأر جنوني: من احتقرك بإهانة أسلافك ورموزك جاعلا لهم ولك أضحوكة بين الأمم، إجعله يدفع الثمن غاليا، اشتمه بألف لسان ودسه بألف قدم وطالب الأمم المتحدة بإصدار قانون يحرم "الإساءة إلى الأديان"، أي إلى ديننا، حتى وإن كان هذا القانون ينتهك قيمة مركزية في العالم الديمقراطي هي حرية التعبير، أم الحريات الأخرى!

الكرامة الجريحة لا تعرف الغفران. وحده الثأر يسكن أوجاعها مؤقتا، في انتظار اهانة جديدة وثأر جديد. وهكذا دواليك من نوبة دينية هاذية إلى أخرى!.

صدام حسين: لهث وراء امتلاك أسلحة الدمار الشامل

قطاع هام من العرب والمسلمين اليوم يمر بنوبة هذيان ديني. فبماذا سيرد عقلاء العالم عليه؟ في نظري، الرد الناجع والإنساني الوحيد ـ وأصر على الوحيد ـ هو تنمية الشرق الأوسط  بشراكات اقتصادية وتكنولوجية، والمساعدة الفعالة والكثيفة على اصلاح الإسلام لينحصر أخيرا في المجال الديني الخاص تاركا المجال العام للدنيوي وحل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بمشروع الدولتين المتعايشتين سلميا والمتعاونتين اقتصاديا وعلميا. انجاز هذه المهمة الأخيرة ستشكل حافزا هائلا لتسهيل انجاز المهمتين الأخريتين.

هذا القرار التاريخي كفيل بوضع البلسم على الجرح النرجسي ناقلاً هكذا العرب والمسلمين من احتقار الذات إلى الإعتداد بالذات والإعتزاز الجمعي. أراهن على أن هذا سيعقلن ردود أفعالهم ويثقفهم بثقافة الغفران المتبادل وبثقافة الحوار: ثقافة اللجوء إلى قوة الحجة بدل حجة القوة. على غرار الشعوب المتحضرة.

الإسلام الأوربي هو أيضا في حاجة ماسة للإصلاح. إصلاحه يعني ضرورة اقتسام مسلمي أوربا للقيم المشتركة مع مواطنيهم. الاندماج الاجتماعي ضروري، كما يلح المستعرب جيل كيبل، لكنه غير كاف. إلا إذا واكب ذلك قبولهم الضروري لمؤسسات بلدانهم وقوانينها وقيمها وعلومها، لتجاوز كثير من الظواهر السلبية، التي تحمل الماء إلى طاحونة الإسلاموفوبيا،  مثل رفض بعض التلامذة المسلمين حضور درس الفلسفة أو نظرية التطور بحجة أنهما ضد القرآن، أو ملاحظة بعض التلاميذ في آخر ورقة الامتحان: "ما كتبته هنا لا أؤمن به، بل هو للإمتحان فقط"، أو المطالبة بمطبخ خاص بهم باللحم الحلال.

إصلاح الإسلام الأوربي يتطلب ترشيد ديمغرافيا المسلمين، إصلاح تكوين الأئمة والوعاظ ووعاظ السجون، الذين اتضح أن بعضهم في فرنسا يحرض المساجين على الإرهاب، إنشاء إعلام سمعي ـ بصري ومكتوب تشرف عليه المؤسسات الإسلامية يوعي الجمهور بإسلام مستنير يساعد على الاندماج الاجتماعي والقيمي.

تكوين الأئمة والوعاظ تكوينا حديثا ضروري. ويجب أن يكونوا من مواليد أوربا أو تكونوا في مدارسها، أي تشبعوا بقيمها الإنسانية وتقاليدها الديمقراطية والعلمانية. في المملكة المتحدة، 8% فقط من الأئمة تكونوا في بريطانيا، 45% من الوعاظ دخلوا إليها من باكستان خلال السنوات الـ 5 الماضية.

يسمح للمصابين

بالخوف الهستيري

بالعدوان على ذاكرة

المسلمين والبشرية

غلق المدارس القرآنية الحالية المرصودة للأطفال منذ سن 4 سنوات، بعد انهاء دروسهم في المدسة العمومية. أولا المدرسة القرآنية تحرمهم من الراحة الضرورية ومن تحضير واجباتهم المدرسية، وثانيا تغرس فيهم عادة التلقين المضادة للفكر النقدي. عدد المدارس القرآنية في بريطانيا مثلا 3500 مدرسة وعدد روادها من الأطفال 250 ألف؛ فضلا عن أن الصغار يتعرضون فيها لعقوبات بدنية: لكم ورفس بالأرجل وأحيانا للإغتصاب!

تكوين الأئمة والوعاظ بإسلام مستنير كفيل بأن يضع نهاية لتحريض بعضهم على ضرب زوجاتهم،  على الزواج القسري، على كراهية اليهود والنصارى كما يفعل البعض أحيانا في خطبة الجمعة التي تنقلها إذاعة الشرق، عبر الإستشهاد بآيات القرآن المدني السجالية ضدهم، بدلاً من الإستشهاد بالآيات المسكونية [=الكونية] التي اعترفت بالديانتين،  اليهودية والمسيحية، كطريق خلاص روحي للمؤمنين بهما. تحريضهم على مواطنيهم اليهود والنصارى يصب الزيت على نار ثقافة الكراهية، بدلا من انعاش ذاكرة المؤمنين بالوقائع التاريخية التي تعبر عن الاعتراف والتسامح. مثل سماح نبي الإسلام لوفد مسيحي نجران، 60 مسيحيا، برئاسة أسقف نجران بأن يقيم القداس في مسجده، أو أمره موزعي الزكاة: "ابدأوا بجارنا اليهودي"، أو القيام احتراماً لجنازة يهودي مرت به، أو المحافظة، يوم إزاحة الصور من الكعبة، على صورتي مريم والمسيح؛ وتذكير المصلين باستجابة عمر لطلب المسيحيين العرب بإعفاءهم من الجزية المذلة وتعويضها بالزكاة،  أو أمر عمر أمين بيت مال المسلمين،  وقد رأى ذات يوم عجوزا يهوديا يتسول: "أتأكلون شبابه صغيراً وتضيعونه كبيراً، اعطوه من بيت مال المسلمين". وتفسير مغزى أمر عمر لهم بما هو عمليا دمج للمتسول اليهودي اجتماعيا في جماعة المسلمين،  الذي يضاهي اليوم دمجه في المجموعة الوطنية، بدلا من تذكيرهم،

المدارس القرآنية: تغرس في أطفالها عادة التلقين المضادة للفكر النقدي

الشائع في مصر والأردن، بـ"عهد عمر"المشؤوم على غير المسلمين والمشكوك في نسبته إليه. على الخطاب الإسلامي الأوربي المستنير التأكيد على مبدأين: تنوع وخصوصية الثقافات ووحدة وكونية قيم حقوق الإنسان والمواطن. في هذا المنظور، مواطنة بلد غير مسلم لا تتعارض مع الإيمان، خلافا لفقهاء القرون الوسطى وورثتهم من أقصى اليمين الإسلامي المعاصر. هذا الخلط المرفوض بين الدين والمواطنة جعل حوالي 40% من مسلمي فرنسا يعترفون بأنهم مسلمون قبل أن يكونوا فرنسيين. مما يجعل منهم، في نظر مواطنيهم،  طابورا خامسا لأي عدو مسلم محتمل لفرنسا بما في ذلك الإرهاب الإسلامي.

قد يكون لهذه الثقافة الودية تجاه غير المسلمين تأثير حميد على العنصرية الإثنية والدينية التي يكابدها، حسب الاستطلاعات 18% من الفرنسيين غير المسلمين، الذين كانوا هدفا لشتائم ومواقف عنصرية: "ايها القذر آكل الخنزير"، أو "أيها الكافر القذر"! وتذكيرهم أيضا بحوار اليهود والمسيحيين والملحدين في مساجد بغداد وقرطبة، وتوزير العديد من اليهود والمسيحيين طوال قرون. لم تتوقف الشراكة الحضارية الإسلامية ـ المسيحية اليهودية إلا بدخول الإسلام عصر انحطاطة منذ القرن 12.

عداء الآخر وعداء العقل هما العنوان الرئيسي للإنحطاط المتواصل حتى الآن في إسلام أقصى اليمين الإسلامي.

تستطيع نخب الإسلام الأوربي المستنير إصلاح هذا الإسلام، والإسلام العالمي أيضا إذا تشجعت وبادرت إلى إهمال الإسلام المدني (1573 آية) السجالي والعنيف [=شرعي، جهادي معاد لغير المسلمين والنساء]والاقتصار على الإسلام المكي (4664 آية) المسالم من أول آية إلى آخر آية فيه؛

تستطيع نخب

الإسلام الأوربي

المستنير إصلاح

هذا الإسلام

الإنفجار الديمغرافي عائق للإندماج؛ مثلا 30 ألف عائلة متعددة الزوجات لها ستمائة ألف طفل بمعدل 14,5 للعائلة. لا شك أن الفشل المدرسي والبطالة والجنوح منتشرة بينهم، مما جعل نسبة المساجين المسلمين تتفوق 7 مرات عن نسبة مجموع السكان في فرنسا و8 مرات في بريطانيا! وهكذا فهم يمثلون حوالي 50% من مجموع سجناء فرنسا! تعاون المسؤولين عن الهيئات الإسلامية مع الهيئات الرسمية ضروري لترشيد هذه الديمغرافية المتفجرة بعلاج اسبابها لمصلحة المسلمين أنفسهم المهددين بالفشل المدرسي، أي بالا مستقبل، ومصلحة مواطنيهم الذين غزاهم الخوف من الإسلام برد الفعل بالإسلاموفبيا. أراهن بأنه عندما تصبح نسبة سكان السجون المسلمين مساوية لنسبة المسلمين الفرنسيين، عندئذ ستنخفض الإسلاموفوبيا بنفس المقدار. ستبقى فقط علامة تجارية لأقصى اليمين العنصري الذي لا مستقبل له في السيناريو المتفائل.

إعلام إسلامي، على غرار راديو شالوم في فرنسا وغيره من وسائل الإعلام اليهودية الآخرى،  يساعد أيضا على تعميم القيم المشتركة وثقافة الاندماج والحوار ضدا على ثقافة الكراهية التي تروج لها الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.

تتمتع اليهودية الأوربية، التي تم اصلاحها بديناميك الثورة الفرنسية خاصة، بتجربة طويلة وغنية في الاندماج في مجتمعاتها، أفادت منه اليهودية واستفادت منه مجتمعاتها باسهامات النخب اليهودية في جميع المجالات الاقتصادية العلمية والإعلامية. من هنا ضرورة تعاون هيئات ونخب الإسلام الأوربي مع هيئات ونخب اليهودية الأوربية للتعلم من هذه التجربة. اشتراك عميد مسجد باريس، دليل أبو بكر، مع رجال دين يهود في إصدار كتب مشتركة هو بادرة رائدة جديرة بالتحية والتشجيع لتعميمها في البلدان الأوربية الآخرى.

تكوين الأئمة تكوينا حديثا، في المعهد الكاثوليكي بباريس، نموذج جدير بالمحاكاة في أوربا كلها.

 

(ورقة لاول مؤتمر "المصلح", الذي عقد في مدينة روما 7-8 ديسمبر 2012)