هاشم صالح

هذا هو المخطط العام للفكر العربي بكل حقبه المتتابعة. والآن لندخل في التفاصيل قليلا. يرى اركون ان المثقفين العرب سواء أكانوا في الداخل ام متبعثرين في ارض الشتات الاوروبي - الاميركي ينقسمون الى قسمين: قسم مصمم على تحقيق الديموقراطية العلمانية المنفتحة على الانجازات الايجابية والكونية للحداثة بغض النظر عن التجليات التي تتخذها هذه الحداثة في الحالة الراهنة للمجتمعات الغربية.

بمعنى آخر فانهم يقبلون ايجابيات التجربة الغربية ويرفضون شططها وتطرفاتها في اتجاه العلمانوية الالحادية المادية المحضة. عندما يقول اركون ذلك فانه يقصد نفسه في الواقع من جملة آخرين بالطبع. وقسم يحلم بشيئ معاكس: أي باقامة نظام لاهوتي - سياسي ذي استلهام "اسلامي" فقط. وهو نظام قروسطي قمعي بالنسبة لحرية الرجل والمرأة على حد سواء. وضعت كلمة اسلامي بين قوسين للدلالة على فهم معين للاسلام. وهو ليس كل الاسلام على عكس ما يتوهم. فهناك فهم آخر للاسلام ممكن غيره. هناك اسلام الأنوار، واسلام التقوقع والظلام.

محمد اركون: "المجتمعات العربية تشهد الآن غليانا فكريا غير مسبوق"

وهذا التيار الاصولي يريد محاربة ليس فقط الغرب وانما ايضا التيارات الليبرالية العربية التي تستلهم أفضل ما أعطته الحداثة الاوروبية على مدار القرون الثلاثة أو الاربعة الماضية. والحرب الفكرية مفتوحة على مصراعيها بين هذين التيارين الكبيرين اللذين يخترقان العالم العربي والاسلامي كله. ولكن ينبغي الاعتراف بأن  التيار الاصولي التقليدي لا يزال يتمتع بثقل سوسيولوجي، أي عددي، اكبر بكثير من التيار العلماني المستنير.

يضاف الى ذلك أن التيار الأصولي الاخواني أصبح الآن مقبولا ومدعوما من قبل الغرب لكي يحل محل الأنظمة الديكتاتورية بعد أن فقدت مصداقيتها واستنفدت ذاتها وخدماتها حتى من منظور الغرب ذاته.ولكن ربما انتقلنا هنا من ديكتاتورية عسكرية الى ديكتاتورية دينية! في كل الأحوال ينبغي على الحكام اجراء الاصلاحات وتحقيق مطالب شعوبهم المنتفضة بقدر الامكان. فهذه أفضل طريقة لتحاشي الفوضى والحروب الأهلية والدمار..

بالطبع هناك تيار ثالث وسطي معتدل يقف بين بين: أي بين الليبراليين والاسلاميين.وهو يلعب دوره كجسر بين القطبين المتصارعين. ولكن ميزة الليبرالية الحداثية  على سواها هي أنها تخترق جميع الطوائف والمذاهب دون استثناء.فالليبرالي المستنير قد يكون مسلما أو مسيحيا، سنيا أو شيعيا،متدينا أو غير متدين، لا فرق.

هناك فهم

آخر للاسلام

ممكن غيره

وذلك لأن الحداثة الليبرالية فلسفة انسانية بالمعنى الكوني للكلمة: أي لا طائفية ولا مذهبية. هنا يكمن تفوق الحداثة على القدامة، أو العصور الحديثة على العصور الوسطى. أيا يكن من أمر نلاحظ عموما ان معظم المثقفين العرب ان لم يكن كلهم ترتعد فرائصهم خوفا وينكصون على أعقابهم صاغرين أمام الموضوع الأخطر الذي يشغل العالم كله حاليا: قصدت موضوع الدراسة النقدية الجادة للتراث الديني الاسلامي. بمعنى آخر فانهم لا يتجرأون على اقتحام ساحة الفكر اللاهوتي والديني نفسه: أي قلعة القلعات المحصنة والمسيجة بالاسلاك الشائكة منذ مئات السنين. وبالتالي فانهم يتحدثون عن كل شيئ ما عدا الشيئ الذي ينبغي التحدث عنه.

محمد عابد الجابري: لا يتناول المسألة الحساسة

وأكبر دليل على ذلك المفكر المغربي الموهوب محمد عابد الجابري الذي لقي مشروعه عن "نقد العقل العربي" نجاحا كبيرا على الرغم من نواقصه الصارخة. فهو لا يتناول المسألة الحساسة، أي أخطر مسألة بالنسبة للفكر العربي، وانما يتحاشاها بكل حيطة وحذر. ولهذا السبب فان مشروعه لا يمكن ان يؤدي الى التحرير الفكري للعرب والمسلمين. وحده مشروع "نقد العقل الإسلامي" لاركون يتجرأ على الخوض في المسائل الشائكة والدخول في صلب الموضوع. ولذلك انخرطت في ترجمته على مدار ثلاثين سنة متواصلة.

بالطبع فان اركون كأي مفكر كبير (يتمتع بحس تاريخي مرهف وبعيد المدى كالرادار) يعرف ان هذه المسألة الحساسة سوف تشغل عدة أجيال من المثقفين العرب قبل ان يتم تشخيصها جيدا ونتوصل الى حلها. ولكنه في ذات الوقت يحتج على التقديم الظالم او المختل التوازن للثقافة العربية في الغرب. فالساحة الثقافية العربية ليست محتلة كليا من قبل الاصولية الظلامية كما تحاول ان توهمنا تلك الأدبيات الغزيرة المكرسة لها في مختلف اللغات الاوروبية من انكليزية وفرنسية وسواها.انظر هجمة الكتب الاجنبية المتركزة على موضوع الأصولية الاسلامية بعد ضربة 11 سبتمبر الاجرامية.. وانظر وسائل الاعلام الجبارة والفضائيات الغربية التي لا ترى الا الاصوليين في كل مكان. هناك تيارات أخرى تجديدية في العالم العربي بل والاسلامي كله ولكن لا أحد يتحدث عنها. وهذا ما يؤدي الى اعطاء صورة مشوهة أو مختلة التوازن عن العرب والمسلمين. فهم ليسوا جميعا بن لادن ولا الزرقاوي ولا الظواهري..ولا ينبغي على وسائل الاعلام الغربية ان تشغل كل وقتها في التركيز على الاصوليين ونسيان ما عداهم[1].

انها عبارة عن

مختبرات تجارب

للحداثة الوليدة او

التي ستجيئ

ويرى اركون ان المجتمعات العربية وكل المجتمعات "المجبولة بالظاهرة الاسلامية" عموما تشهد الآن غليانا فكريا غير مسبوق. انها عبارة عن مختبرات تجارب للحداثة الوليدة او التي ستجيئ. ففيها تحصل الآن تفاعلات كبيرة وتوترات صراعية خصبة بين التراث القديم/ والحداثة الوافدة. وسوف ينتج عن ذلك شيئ جديد يوما ما هو ما يمكن ان ندعوه: بالحداثة العربية الاسلامية، او الوجه العربي الإسلامي للحداثة. بل ان الغرب نفسه سوف يستفيد من هذه العملية الجارية حاليا تحت أنظارنا: أقصد المناطحة الكبرى بين الاسلام والحداثة.

لماذا؟ لان قيم الحداثة سوف توضع على محك تراث آخر غير التراث الغربي المسيحي. وعندئذ سوف تزداد قابليتها للتعميم الكوني فلا تبقى محصورة بتراث ثقافي واحد أيا تكن عظمته وأهميته. فالقيم الاوروبية الاساسية كالعلمانية والحرية الدينية وحقوق الانسان واللعبة الديموقراطية غير المزورة وسواها سوف تتوسع اكثر بعد وضع تراث الاسلام كله على محكها.

الفيلسوف هيغل: كل الصراعات الضارية اجبارية لكي تتقدم حركة التاريخ

واذا ما نجحت عملية المصالحة بين الاسلام والعلمانية او الاسلام والحداثة او الاسلام والديموقراطية فان ذلك سيكون دليلا على عظمة هذه القيم الاوروبية ومدى كونيتها وقدرتها على ان  تتمدد وتنتشر لكي  تشمل جميع البشر بشرط ان تجرى عليها بعض التعديلات لتوسيعها وانضاجها اكثر فاكثر. نعم ان ذلك سيكون لخير العرب والغربيين في آن معا. وبالتالي فما يجري حاليا من صراعات ضارية في كل أنحاء العالم العربي الاسلامي مع كل الدماء الطاهرة والدموع المرافقة لن يذهب سدى. لن تذهب كل هذه التضحيات هباء منثورا. على العكس فان تجربة الأمم المتحضرة تقول لنا بأن كل هذا اجباري لكي تتقدم حركة التاريخ خطوة واحدة الى الامام.هل نسينا هيغل وفلسفة التاريخ الهيغلية[2]؟

ولكن اركون يشير الى الوضع الصعب الذي يعيشه المثقف العربي حاليا. فهو اذا ما أراد ان يكتب بحرية وبخاصة عن الشؤون الدينية فانه مضطر للهجرة الى بلاد الغرب حيث تتوافر حرية البحث العلمي والتفكير النقدي المستقل والمراجع الضرورية باللغات الاجنبية. وهذا ما ألمحنا اليه سابقا. والا فانه مضطر للصمت وعدم النشر حول الموضوعات الحساسة المحرمة اذا ما أراد البقاء في بلده. يضاف الى ذلك انه ما لم تحل قضية فلسطين فانه لا يمكن لاي مثقف عربي ان ينخرط في نقد علمي جذري للتراث العربي الإسلامي. والسبب هو انه ما دامت هذه القضية العظمى نازفة فان الاولوية ستظل للتعبئة والتجييش الحربي وبالتالي للفكر الكفاحي الايديولوجي من قومي عربي واصولي اسلامي. عندما يتكلم صوت المدفع يخرس صوت الفكر النقدي أويهمش كليا:

عندما تبدأ البنادق بالعزف

تموت القصائد العصماء

كما يقول شاعر العرب والعروبة نزار قباني..

وهذا ما لمسه اركون لمس اليد بعد ان دعاه عمرو موسى مع مجموعة اخرى من المثقفين العرب الى حضور اجتماع في جامعة الدول العربية لتدارس أوضاع الأمة بعد جريمة 11 سبتمبر النكراء والاحراج الكبير الذي سببته لنا كعرب وكمسلمين. فقد تناولوا كل الموضوعات ما عدا الموضوع الاساسي الذي يفرض نفسه بعد حدث تاريخي صاعق كهذا.

بمعنى انه لم يتجرأ أحد على فتح باب المسألة الشائكة: اي ضرورة نقد التراث الديني الذي استخدم لتبرير القيام بعملية ارهابية غير مسبوقة. هذه نقطة محرمة، هذا تابو لا يجرؤ أي مثقف عربي على اختراقه.

هذا تابو لا يجرؤ

أي مثقف عربي

على اختراقه

فالحق على الطليان دائما: أي على الامبريالية والصهيونية والاستعمار. ونحن لا نعاني من شيئ ولا نشكو من أي شيء ولسنا بحاجة الى نقد راديكالي لبرامج التعليم المهترئة وللفكر الأصولي الاستئصالي الذي يكفر أربعة أخماس البشرية! هذه نواقص أو عاهات تخص الغرب فقط ولا تنطبق علينا. هذا ما يزعمه "المحافظون الجدد" والقدامى في العالم العربي الإسلامي. ولكن ليشرحوا لنا عندئذ المسألة التالية: لماذا لم تنهض اوروبا ولم تتقدم الى الأمام خطوة واحدة الا بعد ان قامت بأكبر عملية نقد لتراثها الديني المسيحي، والا بعد أن فككت رواسبها الطائفية والمذهبية؟

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)



[1] بعد أن أجرينا هذا التصحيح ينبغي الاعتراف بأن اخواننا الأصوليين التقليديين يتمتعون بشعبية واسعة في الشرائح الفقيرة الأمية من شعبنا على عكسنا نحن الليبراليين التحديثيين.والا لما انتصر الخمينيون في ايران سابقا والاخوان المسلمون والسلفيون في العالم العربي حاليا.( وهذا ما أوضحه الأستاذ شاكر النابلسي وركز عليه في مداخلته التي قدمها لمؤتمر روما المنعقد مؤخرا بتاريخ 7-8 ديسمبر 2012 برئاسة ستيفن أولف ومشاركة العديد من المثقفين العرب والغربيين. وكانت مداخلته بعنوان: الاصلاح الاسلامي:العقبات والفرص. هذا وقد عقد المؤتمر تحت الشعار التالي: تشجيع الأصوات الاسلامية المناضلة من أجل العقل والاصلاح. وسوف تصدر أعمال المؤتمر في كتاب لاحقا). لكن لنعد الى موضوع هيمنة الأصوليين على الجماهير الشعبية ولنطرح هذا السؤال: ألم تكن هذه هي حالة فلاسفة التنوير في أوروبا في القرون الماضية؟ومع ذلك فقد انتصر التفسير العقلاني التنويري للدين المسيحي في نهاية المطاف على التفسير الأصولي الطائفي الراسخ الجذور منذ مئات السنين.وبالتالي فلا ينبغي أن نيأس.المستقبل لنا على الرغم من كل شيء.

[2] أحيل هنا الى كتابي الذي صدر مؤخرا عن دار الساقي في بيروت بعنوان: الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ.