طلعت رضوان

الحداثة مع تداول السلطة. وإدارة الدولة تتم من خلال مؤسسات وليس بإرادة مُنفردة ، لذا كان أهمية استقلال المؤسسات (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وهو ما نادى به مونتسكيو وجون لوك منذ القرن17 والحرية المطلقة للأبحاث العلمية والإبداع والفكر، حرية ضد أية رقابة ، ولا تعترف بمقولة أنّ ((هذا البحث العلمى أو الفكر ضد ثوابت الأمة)) لأنّ الحداثة ضد أية ثوابت تعوق التقدم ، مثلما حدث عندما تجاوزتْ أوروبا فلسفات وعلوم اليونان القديمة ، منذ كوبر نيكوس وجاليليو وجوردانو برونو إلخ رغم أنّ مسيرة أوروبا (فى العلوم والفلسفة واللغة) استمرار للتراث اليونانى والرومانى.

فإذا طبّقنا هذه الأسس على التراث العربى ، نجد علاقة تعارض وتنافر. فالحكم فى  التراث العربى قام على شخص الحاكم الفرد صاحب السلطة المطلقة (خليفة أو سلطان إلخ وفى العصر الحديث أخذ اسم الرئيس سواء فى نظام ملكى أو جمهورى ولكنه يُمارس أبشع أنواع الدكتاتورية مثلما كان خليفة المسلمين يفعل- عبدالناصر، صدام حسين، القذافى نماذج) فقتـْل الخصوم فى الأنظمة العربية الحديثة هو امتداد لما كان يفعله خلفاء المسلمين ، مثل تلك المجزرة التى دبّرها العباسيون ضد الأمويين ، إذْ بعد وفاة أبى العباس السفاح وولاية أبى جعفر المنصور، دعا عمه عبدالله بن على لخلافته بدلا من المنصور، فقتله المنصور. ثم خرج أبو مسلم الخرسانى على المنصور فقتله كذلك.

مونتسكيو: ممن نادى بـاستقلال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية

والأكثر فداحة أنّ العباسيين بدأوا حكمهم بنبش قبور الخلفاء الأمويين ، ثم القضاء على من بقى منهم فى مذبحة مُروّعة ، فقد أخرجوا جثة هشام بن عبدالملك من القبر وصلبوها وضربوها بالسياط ثم أحرقوها. ولكن الانتقام المؤسس على عقلية رعاة الغنم لا يتوقف ، فأبو العباس أمّنَ سليمان بن هشام بن عبدالملك وكبار القوم من الأمويين ، ودعاهم للعشاء فدخل عليهم الشاعر سديف وقال للخليفة ((لايغرنـّك ما ترى من رجال/ إنّ تحت الضلوع داءً دويًا / فضع السيف وارفع السوط حتى/ لاترى فوق وجهها أمويًا)) فأمر السفاح (ويقال عمه عبدالله بن على) بضربهم حتى ماتوا من شدة التعذيب.

وذكر ابن كثير فى البداية والنهاية أنّ عبدالله بن على تتبع بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فقتل منهم فى يوم واحد إثنين وسبعين ألفـًا ثم بسط عليهم الأنطاع (جمع نطع = بساط من الجلد) ثم جلس يأكل على البساط وهو يسمع أنينهم. وذكر السيوطى فى تاريخ الخلفاء أنه ((بعد أنْ فرغ من طعامه قال : ما أكلتُ أكلة أطيب من هذه الأكلة)) وبعد السفاح جاء أخوه أبوجعفرالمنصور، وهوالمؤسس الفعلى للخلافة العباسية. وافتتح خلافته بقتل عمه بن على خوفا من أنْ يُنازعه المُلك.  ثم انقلب على أبى مسلم الخرسانى فقتله كذلك. ولما قال له ((استبقنى يا أميرالمؤمنين لعدوك)) قال له المنصور((وأى عدو أعدى منك))

وإذا كانت المذابح تـُنصب للشعوب العربية فى عصرنا الحالى (ليبيا، اليمن، سوريا) فنجد أنّ مسلمين موحدين يقتلون مسلمين موحدين مثلهم ، فهذا هو الامتداد الطبيعى للتاريخ العربى. وعلى سبيل المثال خلع أهلٌ المدينة يزيد بن معاوية. فأرسل يزيد جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة لقتال أهل المدينة فهزمهم فى موقعة (الحَرّة) ثم أصدر القائد (المسلم) أمرًا لجيش المسلمين باستباحة مدينة النبى محمد مدة ثلاثة أيام وذكر المؤرخون أنه تم قتل 4500 مسلم على أيدى مسلمين مثلهم. وفض بكارة ألف فتاة بكر. ثم ألزم القائد المسلم من بقى فى المدينة من المسلمين أنْ يُبايعوا يزيد على أنهم عبيد.

قتـْل الخصوم فى

الأنظمة العربية

الحديثة هو امتداد

لما كان يفعله

خلفاء المسلمين

ومن رفض منهم تم قتله. وعندما وصل خبر ما حدث إلى خليفة المسلمين يزيد أنشد شعرًا تمنى فيه لو أنّ جدوده الذين قتلوا فى غزوة بدر كانوا أحياء ليروا ما فعله بآل البيت المحمدى. وذكرالطبرى – ج2ص 45 وياقوت الحموى فى معجم البلدان أنه قـُتل فى هذه الموقعة 1700من الأنصار، و1300من المهاجرين و500من الموالى وتم فض بكارة الآلاف من البنات. لذلك لم تكن مصادفة أنه تحت سعيرهذا التراث الدموى يتم ضرب الكعبة بالمنجنيق.

وفى هذه الموقعة التى دارت بين جيش عبدالله بن الزبير والحجاج بن يوسف الثقفى فى عهد عبدالملك بن مروان أنه تم قطع رأس عبد الله بن الزبير وصلب جثته. وإذا كانت المؤسسات الدينية فى عصرنا الحالى التابعة للأنظمة العربية تـُصدر الفتاوى تأييدًا للحاكم ، فهو امتداد للتراث العربى ، إذّ عندما تولى يزيد بن عبدالملك بن مروان الخلافة أفتى له 40 من فقهاء دمشق أنه ((ليس على الخلفاء حساب ولا عقاب فى الآخرة)) حتى أنّ ابن هانىء الأندلسى قال شعرًا نسب فيه الألوهية والنبوة للخلفاء فقال عن المعز لدين الله الفاطمى ((هو علة الدنيا ومن خـُلقتْ له/ ولعة ما كانت الأشياء/ لا تسألن عن الزمان فإنه/ فى راحتيك يدورحيث تشاء)) و((ما شئتَ لاما شاءتْ الأقدار/ فاحكم فأنت الواحد القهار/ وكأنما أنت النبى محمد/ وكأنما أنصارك الأنصار)) وعندما تولى عثمان بن عفان الخلافة اتخذ أقرباءه ولاة على البلاد التى تم غزوها واحتلالها. وكان من بينهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط. مع ملاحظة أنّ والد عقبة كان من أشد أعداء النبى ولذلك قتله محمد. وسأل محمد قبل أنْ يقتله ( إذا قتلتنى فمن للصغار؟) فردّ عليه محمد ( لهم النار) وأثناء المعارك التى دارتْ بين الفرق الإسلامية حدث أنْ ((حارب المُبشرون بالجنة المُبشرين بالجنة. وصارع الصحابة الصحابة.

"إذا خرجتْ المرأة من بيت زوجها لعنتها الملائكة"

وقاتل المسلمون المسلمين. واغتال المؤمنون المؤمنين مثلهم)) وكانت حجتهم الارتداد عن الدين الإسلامى فكانوا يستشهدون بحديث نبوى عن محمد قال فيه (من بدّل دينه فاقتلوه) واعتناق الدين الإسلامى (فى ذاك التراث) ليس متروكـًا لحرية الإنسان فى أى مجتمع وأنّ الرافض للإسلام يجب قتله تنفيذًا لحديث نبوى عن محمد قال فيه (أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم) (حديث متفق عليه وورد فى معظم كتب الأحاديث التى يعتز بها العرب والمسلون حتى وقتنا الراهن)

واحتقار المرأة فى ذاك التراث مستمد من حديث لمحمد قال فيه (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تـُصبح) وفى الصحيحيْن (إذا باتتْ المرأة هاجرة فراش زوجها فتأبى عليه (= ترفض طلبه) كان الذى فى السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها زوجها) (صحيح مسلم وصحيح البخارى وكذلك النسائى) وفى حديث نبوى آخر(إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلتأته وإنْ كانت على التنور) (أى على ظهر جمل أو حمار) وخفـّف منه بعض الفقهاء فقالوا (إلاّ أنْ يكون لها عذر من حيض أو نفاس) وذكر الإمام شمس الدين الذهبى الذى يعتبره كثيرون مؤرخ الإسلام (ينبغى للمرأة أنْ تعرف أنها كالمملوك للزوج فلا تتصرف فى نفسها.. إلخ)) (كتاب الكبائر- دارالغد العربى- ص189)

أنّ الشعوب العربية

لن تتحرر إلاّ  بعد

التخلص من ذاك

التراث

ويصل انحطاط النظرة إلى المرأة فى التراث العربى الإسلامى لدرجة الإيمان بحديث محمد الذى قال فيه (لو كنتُ آمرًا أحدًا أنْ يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أنْ تسجد لزوجها) (حديث لأبى هريرة وله شاهد من حديث عائشة (زوجة محمد) عند ابن ماجه وقيس بن سعيد وأبى داود وابن حبان ومعاذ عند الحاكم فى كتابه عن الترغيب ورواه الترمذى) وقال النبى محمد (إذا خرجتْ المرأة من بيت زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع أو تتوب)) أما إذا رضى عنها فله حديث نبوى نصه (أيما امرأة ماتتْ وزوجها عنها راضٍ دخلتْ الجنة) (رواه ابن ماجه والترمذى) وهو تراث ضد العقل الذى هو ضد الحداثة ، لذا فإنّ أحفاد ذاك التراث لا يزالون يُردّدون حديث (يستغفر للمرأة المطيعة لزوجها الطير فى الهواء والحيتان فى الماء والملائكة فى السماء والشمس والقمر ما دامت فى رضا زوجها) أى أنّ طاعة الزوج هى الأساس ، ولكن هل هى إنسانة ؟ تأتى الإجابة من حديث ينفى عنها صفة الإنسانية ((المرأة عورة فإذا خرجتْ من بيتها استشرفها الشيطان. المرأة عورة فاحبسوها فى البيوت)) (المصدرالسابق- ص 190، 191)

وإذا أضفنا الموقف المُعادى للعلوم الطبيعية بحجة أنها ضد الشريعة الإسلامية. وضد حرية الإبداع الذى تمثل فى قتل المُختلفين مع ذاك التراث مثل ابن المقفع والسهروردى ، وأنّ ما حدث فى الماضى البعيد لازال يحدث بحذافيره على أرض الواقع فى الدول العربية ونحن فى الألفية الثالثة. إذا تم استدعاء كتب التاريخ العربى الإسلامى للقراءة الأمينة ، تأكد للعقل الحر أنّ التراث العربى الإسلامى ضد الحداثة. وأنّ الشعوب العربية لن تتحرر إلاّ بعد التخلص من ذاك التراث.