رياض حمادي

لم يكن للرسول محمد أن يُبَلِّغ دعوته العقائدية والأخلاقية دون سند من السماء أو دون وحي أياً كان الذي اتصل بالآخر وأياً كان مفهوم الوحي, الوحي كتأويل أو كتخييل أو كجدل صاعد : الاتصال بالغيب الذي تفيض عنه  إشارات نورانية يترجمها الرسول إلى عبارات أو آيات, أو الوحي كجدل نازل: رسائل نصية مباشرة حسب مفهوم الوحي التقليدي والمتعارف عليه. حسبنا في هذا المقام الحديث عن الوحي كعمل منجز يعتبره المؤمن كلام الله المحفوظ.

وبعيدا عن طموح وجهود "الحزب الهاشمي" - الذي تحدث عنه سيد محمود القمني في كتابه "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" - في التمهيد والإعداد النفسي لمحمد مذ كان طفلا ليتبوأ مهام الرسالة, فإن الرسول كان يعي أسباب فشل الدعوات العقائدية والأخلاقية التي سبقته على يد الحنفاء. ولذا كان عليه أن يسلك طريق الوحي بصفته سلطة ملزمة وطريقا لم يطرقه الحنفاء من قبله ولاسيما أن الله لم يكن غريبا على مجتمعات الجزيرة العربية بالرغم من الشرك الذي شاب هذه العلاقة.

فكثير من الآيات تحدثت عن معرفة المشركين لله وارتباطهم به بطريق غير مباشر:

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ }العنكبوت61

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } العنكبوت63

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } لقمان25

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } الزمر38

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } الزخرف9

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } الزخرف87

من خلال هذه الآيات نعرف أن مشركي مكة كانوا يعلمون الكثير عن الله وكانت علاقتهم به وطيدة إلا أنها مشوبة بصفة الشرك. هذه الصفة التي حددت مهمة الرسول الأولى وجوهر  دعوته: تحويل العلاقة بين الفرد المؤمن  وخالقه إلى علاقة مباشرة دون وساطة وثن أو صنم أو رسول ولا حتى كتاب – فضلا عن كتابين أو " وحيين " - بمعنى آخر كانت مهمته الأولى فرض التوحيد كعقيدة للإيمان. والمهمة الثانية كانت تتمة مكارم الأخلاق "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" هكذا قال الرسول واصفا مهمته الثانية.

فإلى أي مدى ذهب الرسول في مهمتيه ؟

تاريخيا استطاع الرسول تحطيم الأوثان حول مكة وفي أماكن أخرى من الجزيرة العربية لكن الشرك في الأساس مرتبط بفكرة والدليل على ذلك أن من مشركي مكة من كان يصنع صنمه من التمر ثم يأكله حين يلم به الجوع. من هنا فإن الجزم بنجاح مهمة الرسول الأولى أي توطيد أركان التوحيد على المستوى الفكري أمر يشوبه. لفظيا وشكليا انتهت علاقة الوساطة  التي كانت تربط بين الله والمسلم قبل أن يعلن إسلامه لكن ترسيخ مضمون العلاقة الجديدة – التوحيد – لم يكن سهلا كما لم يكن من السهل اجتثاث جذور مضمون العلاقة القديمة  بهذه السرعة. وها نحن نرى اليوم الكثير من المظاهر التي تعد شركا من وجهة نظر دينية توحيدية مثل  التبرك والتوسل بالأولياء الصالحين والاعتقاد بأنهم يضرون وينفعون,  وظهور الكثير من المذاهب الدينية التي تمارس عادات وطقوس تعبدية ليس لها ما يؤيدها في النص المؤسس – القرآن, ولا في عادات وسلوكيات أو طقوس الرسول المتمثلة في سيرته أو سُنته الصحيحة.

الكثير من المذاهب الدينية تمارس عادات وطقوس تعبدية ليس لها ما يؤيدها في النص المؤسس

هؤلاء الذين لم تتمكن منهم عقيدة التوحيد والإيمان لم يكونوا ليعودوا إلى نفس طقوس الشرك القديمة وتقديم القرابين لآلهتهم القديمة "هبل واللات والعزى وغيرها" خصوصا بعد أن مكنهم الدين الجديد من تبوأ مناصب رفيعة لم يكونوا ليحلموا بها.

هناك من يشير – المستشار محمد سعيد العشماوي وآخرين – على سبيل المثال إلى أن أبا سفيان لم تتغلغل فيه عقيدة الإسلام وأن إسلامه كان على مستوى اللفظ لا على مستوى الاعتقاد اليقيني وأنه أسلم اضطراراً في أول الأمر واستحسن الإسلام طمعاً مع أول بشائر الغنائم التي كفلها له الرسول تمييزا له عن كثير ممن سبقه في الإسلام  - عن اقتناع قولا وفعلاً - وهو ما أثر سلبا على أبناء أبي سفيان من بعده عندما تولوا مقاليد السلطة السياسية. وهناك من أمثال أبي سفيان الكثير لكن التاريخ لا يذكر تفاصيل أدوارهم وأثرهم ربما لأنهم لم يلعبوا في التاريخ دورا ذي بال.

لم يكن يراد

للقرآن أن

يكتسب صفة

القداسة

هؤلاء على مستوى السياسة وعلى صعيد المجتمع لعبوا أدوارا في تحوير عقيدة التوحيد وفي عودة عقيدة الشرك في أشكال جديدة تتخذ طابعها الفكري أكثر مما تتخذ طابعها المادي. في هذا الشكل الجديد من الشرك اكتسب السلطان – سلطان الحكم والحاكم – صفة القداسة وأصبح ظل الله على الأرض وأضيفت أقانيم أخرى لله: القرآن والرسول ثم الحديث على نحو عام فضلاً عن أقانيم تخص المذاهب والفرق الإسلامية الكثيرة مثل " رسائل الحكمة والمنفرد بذاته " عند الدروز, وعصمة وقداسة الأئمة عند الشيعة الجعفرية وطاووس الملائكة – عزازيل – عند اليزيديين هذا فضلا عن الطرق الصوفية الكثيرة والتي يحظى فيها كل طريق بولي يحظى بصفة التبجيل والقداسة.

يضاف إلى ما سبق الكثير من العادات والتقاليد والاعتقادات الشعبية التي تمارس كل يوم ويعتبرها الدين في مساره القويم شركاً مثل: السحر والكهانة والعرافة, الاعتقاد بتأثير النجوم في حياة الناس, الاستعانة والاستغاثة بالأولياء, النذر لغير الله, تعليق التمائم والخرز لدفع العين أو التداوي أو جلب الحظ ورفع البلاء. والأمثلة على مسار الانحراف والتحريف كثيرة  تتعدد بتعدد المذاهب والفرق الإسلامية, ولو تخيلنا الإسلام في نسخته الأصلية التوحيدية خطاً أو مساراً مستقيماً لقلنا أن الجميع - سواء على مستوى الفرق والمذاهب أو على مستوى الأفراد والجماعات - قد انحرف عن هذا المسار ومعيار الحكم هو مدى البعد أو القرب منه.

من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث:

القرآن رسالة قبل أن يكون كتاباً لم يكن يراد له أن يكتسب صفة القداسة فهو عبارة عن خطاب أريد به تصحيح وضع الشرك وترسيخ قواعد التوحيد وتنزيه الخالق وتتميم مكارم الأخلاق في منهج مرن يمكن للأجيال التالية أن تستفيد منه في استنباط حلول لمشاكلها المعاصرة. لذلك لا نجد من بين الأوصاف التي تصف القرآن صفة واحدة تصفه بأنه "مقدس" أو يراد له أن يكون كذلك من خلال صفة قداسة مُرسله. فالمرجعية المنهجية التي سلكها القرآن هي مرجعية الواقع المتغير لا مرجعية النص وإلا لما كان هناك مكان للناسخ والمنسوخ, ولو كانت المرجعية للنص لكان هناك نص واحد وحيد.  وكذا الحال بالنسبة للرسول فهو يوصف على لسان القرآن بأنه بشر قبل أن يكون رسولا أو نبيا ويصف هو ذاته تواضعاً بأنه "ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة" إلى آخر الكثير من الأوصاف في القرآن والسنة المتوترة التي تؤكد على عدم قداسة الرسول. هذه القداسة التي يُسَخِّر "الوهابيون" - في السعودية وأتباعهم في بقية البلدان الإسلامية - كل طاقتهم من أجل نفيها باعتبارها شركاً وبحجة الدفاع عن نقاء عقيدة التوحيد لكن بأساليب تجافي روح تعاليم الرسول محمد نفسه.

كان الحديث في مرحلته الأولى قولا ثم جمعا وتصنيفا في مراحله التالية

ولأن الرسول كان يعي طبيعة التحريف الذي واجهته الرسالات السابقة ووسائل الابتعاد بها عن مضمون هدفها الأول فقد نهى عن جمع الحديث على مستوى القول والفعل.

وهكذا حذا حذوه أصحابه أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي فأحرق عمر بن الخطاب على سبيل المثال بعضا من الأحاديث ونهى أبو هريرة وهدده بالنفي  والضرب بالدرة إن أعاد رواية الحديث عن رسول الله . ولأن سلطة القرآن لم تكن لتتيح للجيل اللاحق - ممن تبوأ قمة السلطة السياسية مثل معاوية بن أبي سفيان – أن يُشرعن الظلم والفساد والنهب وتوريث الملك فقد كان لزاما عليهم أن يقوموا بالانقلاب الأول وهو البحث عن مصدر آخر للتشريع أو مواز للقرآن يتيح لهم ذلك. فكان الحديث في مرحلته الأولى قولا أو تقولا على لسان الرسول أو تقريرا عنه ثم جمعا وتصنيفا وتنقيحاً في مراحله التالية.

لو كانت المرجعية

للنص لكان هناك

نص واحد وحيد

وفي كل المراحل لم ينشغل العقل الديني بوقوع تناقض بيِّن بين النصين أو التشريعين فقد كان التركيز في المرحلة الأولى من افتراء الأحاديث على إغراق المجتمع بآلاف الأحاديث الموضوعة, فهاهو رجل يقبض عليه فيقول "لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث" والبخاري نفسه جمع آلاف الأحاديث  ثم حذف منها أكثرها اعتمادا على شرط أو قاعدة الإسناد لا على قاعدة المتون - توافق متن الحديث مع المتن القرآني. والتركيز على الإسناد لا على المتن هو ما ميز المراحل التالية من مراحل جمع الحديث. وكل عمليات التنقيح اللاحقة – الجرح والتعديل أو اختصارا علم الحديث - فعلت الشيء ذاته وقلة هم الذين وجهوا نقدهم لمتن بعض الأحاديث في سياق استنباطهم لبعض الأحكام الفقهية فلم يأخذوا ببعض الأحاديث التي وردت في كتب الصحاح مثل مالك وأبو حنيفة وغيرهم قليل.

لكن الأصوات المستنيرة ما فتئت  تطالب بتقويض سلطة النص السني وذلك بوضعه مقابل النص المؤسس – القرآن – في عملية يراد لها تصحيح المسار لتكون المرجعية لسلطة النص القرآني ووضع حد للتناقض الفادح والازدواجية العقلية والمعرفية البينة التي وقع ويقع بها العقل الديني منذ مئات السنين. تلك الأصوات قُذفت بحجارة التكفير والتشيع والتخوين من الطرف الذي يدعي الدفاع عن ما يسمونه "الوحي الثاني" - السنة, جاهلين طبيعة التناقض والازدواجية بين السلطتين مما يجعلهما وكأنهما " وحيين " من مصدرين لا علاقة لأحدهما بالآخر في كثير من جوانبهما.

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)