نبيل الحيدرى

المجتمعات العربية والإسلامية تتأثر بالخطاب الدينى اليومى كثيرا وهو يؤثر فى فكرها وسلوكها، وحركتها اليومية ودراسة مشاكلها وآفاق تطلعاتها. واليوم حيث كثرت القنوات الفضائية بشكل ملحوظ وكبير وكثرت كذلك البرامج الدينية حتى فى القنوات غير الدينية ومتابعاتها الواسعة جدا، يكشف عن عمق هذه الظاهرة والأزمة الحقيقية للمجتمعات التى بقيت متخلفة متأخرة. الخطاب الدينى المعاصر هو نفسه الخطاب القديم الكلاسيكى والأقرب إلى المنطق الإفلاطونى فى نظرة تسطيحية مبسطة إستعلائية للبشر تأمرهم بتغيير طبيعتهم وإزاحة الأنانية وحب الذات والشر من أنفسهم.

وبتصور الوعاظ والخطباء ورجال الدين فى المساجد والحسينيات والمراكز الدينية، أن مجرد الموعظة سوف تغير الأشخاص وطبائعهم رغم أن ذلك لم يحصل على مر التاريخ لأن النفس البشرية لها طبيعتها وخصائصها وميزاتها، وكل امرئ يحب نفسه وذاته ومصالحه، والأنانية جزء من ذاته، فكيف تزيلها الموعظة. بينما ينبغى أولاً دراسة الطبيعة البشرية كما قال باكون (لكى تسيطر على على الطبيعة يجب عليك أولا أن تدرسها) وهى قضية علمية واقعية سليمة.

على الوردى: الواعظين خير عون

للطغاة على إلهاء رعاياهم وتخديرهم

على الوردى المصلح الإجتماعى العراقى الذى تخرج من جامعة تكساس الأمريكية عام 1950 ودرس المجتمع العراقى والمجتمعات العربية يرى ذلك  فيقول:

لايمكن إصلاح الطبيعة البشرية بمجرد الوعظ. إن الوعاظ يحسبون النفس البشرية كالثوب الذى يغسل بالماء والصابون فيزول عنهم ما اعتراه من وسخ طارئ

ثم يضيف الوردى:

إذا قلنا للناس أنبذوا الحسد والأنانية فمعنى ذلك أننا نقول لهم أتركوا طبيعتكم البشرية وكونوا ملائكة

وليس ممكنا للإنسان أن يكون ملكا ولابد للدراسة أن تكون موضوعية لتعرف الأسباب وتعالج بشكل علمى بينما نجد الوعاظ لايميزون بين السبب والنتيجة وكما يقول المثل الإنكليزى أن يضع المرء العربة أمام الحصان، فيجعلون السبب نتيجة وبالعكس.

لذلك كان الخطباء هم أبعد الناس فى واقعهم وممارساتهم عن نفس خطاباتهم الحماسية العاطفية، فالوعاظ باتوا مترفين مقدسين منعمين بسبب تحالفهم مع السلطان والمترفين وحفاظهم على مصالحهم بل وتقديم صبغة شرعية دينية للظلم والترف والطغيان والفساد.

وفى ازدواجية معايير الوعاظ ووقوفهم مع الظالمين ضد المظلومين وشرحه أسباب ذلك يقول الوردى:

نجد الوعاظ

لايميزون بين

السبب والنتيجة

ويبدو لى أنّ هذا هو دأب الواعظين عندنا، فهم يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤون ويصبّون جلّ اهتماماتهم على الفقراء من الناس فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشهم وينذرون بالويل والثبور فى الدنيا والآخرة. وسبب هذا الوعظ فى التحيز فيما أعتقده راجع إلى أن  الواعظين كانوا ولا يزالون يعيشون على فضلات موائد الأغنياء والطغاة. فكانت معايشهم متوقفة على رضى أولياء أمره وتراهم لذلك يغضّون الطرف عما يقوم به هؤلاء من التعسف والنهب والترف ثم يدعون لهم فوق ذلك بطول العمر.

ويضيف الوردى إستغلال الطغاة للوعاظ من أجل هدف هو تخدير الشعوب عن الظلم الكبير من الطغاة أنفسهم قائلا:

ويخيّل إلى أن الطغاة وجدوا فى الواعظين خير عون لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم  فقد انشغل الناس بوعظ بعضهم بعضا فنسوا بذلك ما حلّ بهم على أيدى الطغاة من ظلم

وعندها ما سماه الوردى دور الوعاظ بالتخدير والإلهاء. وسمَّاهُ على شريعتى بالإستحمار الدينى  فى كتابه (النباهة والإستحمار) حيث يعتبر هذا الإستحمار من جهة الدين هو الأكبر والأقوى والأعظم منذ العصور القديمة وحتى المعاصرة، وما سماه (الإستخدام الدينى لاستحمار العقول) والذى تروجه طبقة رجال الدين وهى طبقة متميزة فى تشويه كل مفاهيم الوعى والعقل والإدراك وسلب الإرادة والتفكير، والتجهيل والغفلة والتخدير، ويعتبرها شريعتى نسخة كاملة مطابقة لحكم الكنيسة فى القرون الوسطى وأخذها صكوك الغفران والتخلف آنذاك ضد العقل والعلم والفكر.

بلعم بن باعورة في رسم للفنان الالماني غستاف ييغر (1808-1871)

ومثال الوعاظ القرآنى هو بلعم بن باعورة العالم الفقيه والذى عبر عنه الله (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، فيقوم الفقهاء بالإستعباد والإستحمار والتجهيل وأمر الناس المقلدين لهم، بالطاعة العمياء واستغفال العقول مدَّعين كونهم الممثلين لله تعالى كأنهم المقدّسون والمعصومون فيوزّعوا الجنة وتسليم مفاتيحها لمن يشاؤون ممن يخدم مصالحهم ويتحالف معهم ويمنعونها عمن يشاؤون من مخالفيهم، رغم تهافت خطاباتهم وتناقض تصرفاتهم وحرب بعضهم بعضا وتكفير بعضهم بعضا. ويلخص شريعتى الإستحمار بأنه

أى قضية فردية أو إجتماعية، أدبية أو أخلاقية أو فلسفية، دينية أو غيرها، تبتعد عن النباهة الإنسانية والإجتماعية.

داعيا إلى التفكر والتدبر واستعمال العقل وانتشار الوعى.

لكنى أعتقد أن التقليد هو نوع من الإستحمار الدينى وتخدير العقل العربى فى اللا شعور لكى يردد كالببغاء دون وعى وتدبر وتعقل. وفى التشيع ظاهرة التقليد للمرجعيات الدينية تمثل كهنوتا وسلطة للفقهاء فى السيطرة على العقول والسيطرة على أموالهم خصوصا الخمس والتحكم فى أفكارهم و سلوكهم لدرجة من الإستغباء فى عصر التقدم البشرى والتطور الحضارى وينبغى متابعات النتاج البشرى والنظريات الحديثة فى مواكبة العصر لا ترديد أعمى للروايات القديمة البالية المتعارضة وغير المناسبة للوعى والعصر وما بعد الحداثة
وإن القرآن يرفض التقليد وينهى عنه مرارا وتكراراً كعادة سيئة بعيدة عن العقل والفكر مثل:

إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون

قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولوا كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولا يهتدون.

على شريعتى: الإستخدام الدينى لاستحمار العقول

تقليد الفقيه حتى فيما ليس من اختصاصاته ولا معارفه وكأن الفقيه يعرف كل شئ فى العالم وكل العلوم، لذلك أفتوا بما لم ينزل الله به من سلطان وحرموا كل جديد واكتشاف وعلم حديث خوفا من الإنفتاح العقلى والكل يعرف فتاوى تحريم التلفزيون والطائرة والسيارة وغيرها عند اكتشافها حتى قال بعضهم (أتتركون حمير الله وتركبون حمير الشيطان) متوهمين أن الإكتشافات مكائد من الغرب الكافر لضرب الإسلام والمسلمين، إضافة إلى تحريم المدارس وفتاوى فى التكفير والكراهية والعنف ضد أقوام متعددين لدرجة تحليل دمائهم وأموالهم وأعراضهم بل لازالوا إلى يومنا هذا يؤمنون بالإماء (ما ملكت أيمانكم) والعبيد، وهو ما موجود فى فقههم المعاصر ومهازل ما سمى بالرسالة العملية مثل (منهاج الصالحين) للحكيم والخوئى والسيستانى وتحرير الوسيلة للخمينى وهداية العباد للكلبيكانى ووسيلة النجاة للأصفهانى وذخيرة العباد للخراسانى والشاهرودى والشيرازى ومجمع الأحكام للحائرى وتوضيح المسائل للبروجردى والميلانى والأراكى، والعروة الوثقى لمحمد كاظم الطباطبائى اليزدى مع تعليقات عشرات الفقهاء الشيعة، وقد تجاوزهم العالم المتمدن والمتحضر إذ يرفض القانون الدولى وحقوق الإنسان والقوانين العالمية مبدأ الإماء والعبيد والرقيق، بينما هم لازالوا يقسمون الناس إلى عبيد وأحرار ثم يعتبرون العبد القن لايملك من أمره شيئا وكل ما يحصل عليه من كد وتعب وعناء وجهد فهو لسيده ومالكه وليس له فيها شئ (العبد وما يملك لمولاه) وما ملكت أيمانكم، وأمثالها خصوصا مع صعود الإسلام السياسى فى العراق وإيران ومصر وتونس وغيرها من حكم الوعاظ وسلطانهم فصار الواعظ سلطانا.

علينا أن نضحك

ضحكة مليئة

بالحزن

على واقعنا

وهذا يجعلنا نعود إلى حكم الكنيسة فى القرون الوسطى بعيدا عن الواقع وبعيدا عن الحياة وتطوراتها والمدنية الحديثة. ومن أجمل تصوير واقعنا، ما نقله على الوردى:

كنت فى أمريكا ونشب نزاع عنيف بين المسلمين عن على وعمر، وكانت الأعصاب متشنجة والضغائن منبوشة، فسألنى الأمريكى عن على وعمر، هل يتنافسان الآن على الرئاسة عندكم، كما يتنافس عندنا ترومين وديوى؟ فقلت لا، بل كانا قبل 1300 سنة والنزاع الآن حول أيهما أحقّ بالخلافة، فضحك الأمريكى من هذا الجواب كثيرا حتى كاد يستلقى على قفاه، وضحكت معه كذلك كثيرا ولكنه ضحك مشوب بالحزن والبكاء على حالنا.

وعلينا أن نضحك ضحكة مليئة بالحزن على واقعنا وأن نردد ما قاله المتنبى:

غاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

هكذا يكون الصغير عندنا كبيرا والكبير عندنا صغيرا والهزيمة انتصارا والوسيلة هدفا والجاهل عالما والمثقف كافرا والمبدع مجنونا والمشعوذ ملاذا والواعظ مقدّساً والخرافة دينا والدجل مهنة والطقوس شعائرا والإصلاح بدعة والتجديد انحرافا والنقد زندقة والتفكير تكفيرا.