طلعت رضوان

يرتبط التراث العربى بالإسلام  بحيث لايمكن فصل أحدهما عن الآخر. وهوما عبّرعنه القرآن بالنص على أنه نزل (عربيًا) والتراث العربى يرتكزعلى عدة محاورتسبّبتْ فى التخلف الحضارى رغم الثروة التى منحتها الطبيعة للعرب. المحورالأول (الأحادية) فكما أنّ الإسلام شدّد على (وحدانية) الإله، كذلك اتسم نظام الحكم على (وحدانية) الحاكم. هذه (الوحدانية) نتج عنها الاستبداد السياسى.

فكما أنّ الإله العربى "يعزمن يشاء ويذل من يشاء" ويتسامح مع كل أشكال الجرائم طالما أنّ المسلم لايُشرك معه إلهًا آخر(النساء 48، 116) كذلك فعل الحكام العرب طوال تاريخهم.

المحور الثانى الأخذ بالمُطلق ورفض النسبى فالقرآن ينفى عن المسلمين الإجرام فينص على (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) (القلم 35)  و(كنتم خيرأمة أخرجتْ للناس) وفى الأحاديث النبوية (خيرالقرون قرنى ثم الذى يليه) و(إنما يلبس الحريرفى الدنيا من لاخلاق له فى الآخرة) الإيمان بالمطلق انعكس على التراث العربى فى أكثرمن مجال خاصة العداء لعلم المنطق الذى ينطلق من الاعتراف بالنسبى الذى هو المدخل للفلسفة ثم إلى العلم الذى لايعترف بالثبات بل ويعترف بالخطأ من خلال التجربة تلوالتجربة، كما تـُخبرنا قصة تطور العلوم (أنظر كتاب: تاريخ العلم – تأليف جون جريبين- ترجمة شوقى جلال – جزأين – عالم المعرفة الكويتى- يونيوويوليو 2012) والعداء للمنطق يتغنى به العرب والأصوليون مُردّدين بفرح مقولة ابن تيميه "من تمنطق فقد تزندق" أى أنّ التمسك بالمطلق أحد أسباب تكفيرالمختلف مع التراث العربى / الإسلامى. بل إنّ سهام التكفير نالتْ مسلمين موحدين لمجرد أنهم اختلفوا مع مسلمين موحدين مثلهم.

العداء للمنطق

يتغنى به العرب

والأصوليون

المحور الثالث الطاعة المطلقة: انتقلتْ من القرآن "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" فانعكستْ على نظام الحكم، إذْ أنّ الشعب ليس له حق مخالفة الحاكم والمرؤوس ليس له حق مخالفة رئيسه. والعضوفى جماعة دينية ليس له حق مخالفة أميره إلخ. لذا ظلّ تاريخ العرب بلا ثورات شعبية منظمة ومؤثرة (باستثناء اشتراك العرب الذين عملوا بالزراعة مع المصريين ضد حكم العرب، ومثل حركة القرامطة التى عليها الكثيرمن المآخذ نظرًا للعنف الذى مارسته مع خصومها) ولكن مع ثورة المعلومات فإنّ الجيل الجديد من الشباب نجح فى التملص من آفة الطاعة مثلما حدث منذ يناير2011 فى أكثر من بلد عربى.

"أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين": معبد الاله بـعل في بالبك (لبنان)

المحور الرابع التعصب العرقى والذى تم تدشينه بعد وفاة محمد إذْ كانت الخلافة لقريش مع استبعاد باقى القبائل. وعبّر محمد عن هذا المنحى فى حديث قال فيه (لاتكون العرب كفؤا لقريش. والموالى لايكونون كفؤا للعرب) وقال معاوية بن أبى سفيان (أهل مصرثلاثة أصناف: فثلث ناس (العرب) وثلث يُشبه الناس (الموالى) وثلث لاناس (القبط) (المقريزى المواعظ والإعتبار ص56) وقال أبوحنيفة (ليس أحد من العرب كفؤا لقريش وليس أحد من غيرالعرب كفؤا للعرب) وقال سفيان الثورى وابن حنبل (إذا نكح (= تزوج) المولى عربية يُفسخ العقد) وظلّ هذا التراث يتراكم إلى أنْ تولد عنه المثل العربى "ياكلها التمساح ولاياخدها الفلاح" فى إشارة إلى الفلاحين المصريين. التعصب العرقى والتعصب للدين أحد أهم أسباب عداء العرب والمسلمين للمختلفين معهم حتى من الشعوب الأوروبية الذين سمحوا لهم بالعيش والعمل فى بلادهم، فكان رد الجميل تكفير من ساعدهم على الإقامة الكريمة والحرية التى يفتقدونها فى بلادهم. ولم يقف الأمرعند التكفيرفقط بل وصل لدرجة محاولات فرض الإسلام بالقوة، إنطلاقا من مقولة يتمسكون بها منذ حسن البنا وسيد قطب، وهى أنّ (المسلمين أساتذة العالم)

المحور الرابع يتأسّس على أنّ (الولاء للدين يسبق الولاء للوطن) منذ جمال الدين الإيرانى الشهيربالأفغانى وكل الأصوليين. انعكس ذلك على الواقع فى مصر. فانتشر بين الأصوليين مقولة (طظ فى مصر) وأنه لا بأس من أنْ يحكم مصر أى مسلم من أى بلد والأخطر هو ما ترسّبْ فى ذهنية الأصوليين من أنّ المسلم الأمريكانى أوالأفغانى أهم من المسيحى المصرى. وكان ذلك أحد أسباب الاحتقان الدينى المشتعل بين أبناء شعبنا الذى بدأ مع تكوين الإخوان المسلمين عام 1928 ثم تفاقم بعد يوليو 52.

"الولاء للدين

يسبق الولاء

للوطن"

المحور الخامس الموقف من المرأة: فهى نصف الرجل فى الميراث وفى الشهادة. وإذا كانت عبدة فمن حق الرجل أنْ يقتنى أى عدد بلا حصروفقا لنظام (ماملكتْ أيمانكم) المنصوص عليه فى أكثرمن آية قرآنية (النساء 25، 26، النحل 71 النور 31، 58 الروم 28، الأحزاب 50، 52، المعارج 30) والزوج فى القرآن (بعل الزوجة) النساء 128، النور 31) ومع مراعاة أنّ (البعل) فى اللغة السامية (ومنها العربية) تعنى (المالك) وورد فى العهد القديم للإشارة إلى آلهة كنعان إذْ كان يُعبد فى بقاعها ثم انتقل إلى القرآن الذى اعترف بذلك فى سورة الصافات / 126 (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين) أى أنّ الزوج يصل لمرتبة الإله على زوجته. وفى الأحاديث النبوية (لن يفلح قوم ولوا أمرأهم امرأة) وفى التعليم الأزهرى فى مصريتعلم التلاميذ أنّ الوصية لاتجوزإذا "لم تكن المرأة فراشًا لزوج أوسيد" ويتعلم أنّ المسلم (الحر) له أنْ يجمع بين أربع زوجات من الحرائر "مع جوازالجمع بين الإماء بملك اليمين من غيرحصر. أما العبد فله أنْ يجمع بين إثنتين فقط لأنه على النصف من الحر" وذكرالمرحوم خليل عبدالكريم أنّ من أقوال العرب الأثيرة (الرجل أشرف من المرأة) ومن خلال بحثه فى اللغة العربية ذكرأنّ موقف العرب من المرأة

يُفسرلنا موقف الثقافة العربية منها ومنعها من تولى العديد من المناصب وهذا يؤكد أنّ تلك الثقافة ارتبطتْ ببيئة معينة. وأنّ المرأة فى التراث العربى (كلها عورة) (العرب والمرأة- دارالانتشارالعربى وسينا للنشرعام  98 أكثر من صفحة)

نطاق البيئة الصحراوية حيث محدودية التفكير

المحاور السابقة (وهى على سبيل المثال) تؤكد على العلاقة العضوية بين التراث العربى والذهنية العربية، حتى فى اللغة وفق وصف أ. خليل عبدالكريم الذى ذكرأنه فى المجتمع البدوى من المستحيل أنْ تتخلق لغة متحضرة:

لأنّ اللغة هى المرآة التى تعكس صورة السلوك الإنسانى.. واللغة العربية خشنة قاسية كانعكاس للبيئة لذا كان العرب فى أدنى درجات السلم الحضارى، بل بغيرمغالاة ودون مبالغة هم فى طليعة الشعوب التى خاصمتها الحضارة ورغم ذلك عندما خالط العرب الشعوب الراقية بعد أنْ احتلوا أراضيها واستعمروها ونهبوا ثرواتها واستحلوا عرق فلاحيها، أطلقوا عليهم (العلوج) استكبارًا واستعلاءً (المصدرالسابق أكثرمن صفحة)

أما ابن خلدون فذكر أنّ العرب أبعد ما يكونون عن العمران الحضرى لذلك لم يُساهموا فى الصنائع (= الصناعة) عكس الصين والهند وبلاد القبط. وأنّ حملة العلم المسلمين من غير العرب "ولا أوفر اليوم فى الحضارة من مصر فهى أم العالم وينبوع العلم والصنائع" وأنّ طبيعة العرب التوحش فهم أهل انتهاب والسبب "أنهم أمة وحشية. والعرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب" وارتبط ذلك بالموقف من الحضارات الأخرى فكتب ابن خلدون:

أين علوم الفرس التى أمرعمر بمحوها عند الفتح؟ وأين علوم أهل بابل وأين علوم القبط ؟ (المقدمة- المكتبة السعيدية بالأزهر ط عام 1930 أكثرمن صفحة)

ويرى المفكر الكويتى الراحل أحمد البغدادى أنّ العرب لم يعرفوا فى حياتهم شيئا اسمه القانون وأنّ مصطلح (الدولة) لاوجود له فى المعاجم العربية. وإذا نظرنا

إلى مسألة التفكيرفى نطاق البيئة الصحراوية حيث محدودية التفكير، فلا علم ولاحضارة باعتبارأنّ العرب آنذاك أمة أمية لاتقرأ ولاتكتب وتعتمد الثقافة الشفاهية وفى مجال وحيد هو الشعر

وذكرأنّ

احمد البغدادي: "التراث الدينى فلا عقل فيه"

الحضارة ترتبط بالدنيا ولاعلاقة لها بالدين. ومن هنا خطأ مقولة (الحضارة الإسلامية) وأكد على أنه لا اللغة العربية ولا الدين الإسلامى حوى أى تعريف لغوى أواصطلاحى للحضارة (فلسفة. رياضيات. علوم) أما التراث الدينى فلا عقل فيه ولم يستفد منه العالم شيئا لأنه تراث خاص وضيق الحدود (أحاديث الدنيا والدين- مؤسسة الانتشارالعربى عام 2005 أكثرمن صفحة)

أما الكاتبة نادين البدير(سمعتُ من بعض الأصدقاء أنها سعودية الجنسية وتعيش فى باريس) فكتبتْ

باسم الأخلاق ينتحرالعرب. ويتحوّلون باسم الدين لعالة وعارعلى العالم الذى يركض نحوالفضاء. ونركض نحوعذاب القبر. ورغم ذلك ترتفع التحرشات الجنسية فى العالم العربى لأعلى مدى. فأين الأخلاق وأين الدين؟ فى باريس وغيرها تسيرالسيدة بمختلف الأزياء ولايُضايقها أحد. وفى المناطق العربية تسيرمُنكسرة خائفة من خطف أواعتداء ولوكانت محجبة. وإنْ نجتْ لن تسلم من تحرشات لفظية بذيئة ترشقها بها كائنات تنتهى من مضايقة النساء لترفع أيديها مُكبرة مُهللة للصلوات. فأين الدين وأين الأخلاق؟ متى يستيقظ المجتمع (العربى) من الوهم؟ (المصرى اليوم 10/7/2012)

وذكرالكاتب الليبى أبوا لقاسم صميدة "الكارثة هى أنّ العرب لم يتخلصوا من ثقافة داحس والغبراء ولم ينسوا تقاليد حروب البسوس وسلوكيات الثأر والسلب والعراك البدائى فتلبستهم ثقافة ملكية الحقيقة" (أهرام 16/11/2003) فهل كان المفكر السعودى عبدالله القصيمى مغاليًا عندما كتب كتابًا من 717 صفحة من القطع الكبير بعنوان "العرب ظاهرة صوتية"؟