سعيد ناشيد

لا يكفّ النص القرآني عن الدّعوة إلى القتل والقتال. بل، يقول لنا في إحدى آياته ( كتب عليكم القتال) سورة البقرة، الآية 216. واستناداً إلى هذا التصريح الواضح والصريح، استنتج داعية التطرف الديني عبد السلام فرج في كتابه الفريضة الغائبة أن القتال فرض عين على كل إنسان مسلم، قياساً على الآية ( كتب عليكم الصيام ) سورة البقرة، الآية 183.

صدقاً، نحن أمام مفارقة فقهية تحترم قواعد القياس المنطقي لتخلص إلى أن الصيام والقتال هما على نفس الدرجة من الوجوب الشرعي.  بل، نحن في ورطة تشريعية تُوازن بين الدعوة للقتال وفريضة الصيام. ما الحل إذاً؟

عندما ننتهي إلى المفارقة، من الواجب مراجعة المنطلقات.

القرآن ليس

قانوناً أبدياً نازلاً

بالتمام من السماء

عود على بدء، المشكلة أننا نظن أن القرآن الكريم يمثل "وجهة نظر" الله تعالى في بعض الأمور البشرية، ومن ذلك آيات القتال. إلاّ أن الأمر على خلاف من ذلك. المطلوب بالأحرى أن ندرك أن التحريض القرآني على القتل والقتال، أيا كانت مسوغاته ومبرراته، لا يعكس "وجهة نظر" الله تعالى والغني عن العالمين، وإنما يعكس -بكل بساطة- فهم وتأويل الرّسول للإيحاءات الرّبانية "الغامضة" التي دأب على تلقيها. وطبيعي أن يكون التأويل خاضعاً لمؤثرات الثقافة التقليدية والقتالية لعصر الرّسول، عصر عنف ما قبل نشوء الدولة، وبالتالي ما قبل دولة الحق والقانون بعدّة قرون.

ذلك أن القرآن الكريم –وهذا ما نحرص على تأكيده- ليس قانوناً أبدياً نازلاً بالتمام من السماء، كما يظن أهل النظرة السحرية إلى الدين، وإنما هو مجرّد إشراقات قلبية صيّرها الرسول كلاماً مجازياً تعبدياً، ثم صيّر المسلمون ذلك الكلام مصحفاً مدوناً، قبل أن يصيّروا المصحف نصّاً مقدساً. وكل هذا جرى في سياق تأويلي ولغوي وثقافي وسياسي محدّد وبالغ التعقيد.

على هذا النحو، بوسعنا أن ندرك المفاهيم القتالية الواردة في النص القرآني باعتبارها ليست أوامر "عسكرية" إلهية، كما ظن الفقهاء واعتقد السلفيون، وإنما هي مجرّد تدابير فرعية تخص بيئة الرسول وتناسب عُنف ما قبل الدولة.

ومن دون شك، فقد جرت عادة المجتمعات القديمة أن يغير بعضها على بعض. بل لا نجانب الصواب إن قلنا إن القتال في العالم القديم لم يكن مجرّد نشاط تكميلي، وإنما يمثل من جهة أولى، نشاطاً اقتصادياً أساسياً، بالنظر إلى المحصول الذي تمثله الغنيمة والفيء والسبي؛ ويمثل من جهة ثانية، نمط إنتاج ثقافي، بالنظر إلى قيم البطولة، وملاحم الثأر والانتقام، وأشعار الحماسة والرثاء، والتي هي ثقافة العالم القديم.

لذلك، طبيعي أن يحتوي القرآن على آيات تحرض على القتال. مثل الآيات التالية:

توصيات تناسب ثقافة عصر الرسول لا تمثل أي قانون مقدس أو تشريع إلهي

(كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) سورة البقرة، الآية 216 .

(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا...) سورة الأنفال، الآية 65 .

قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) سورة البقرة، الآية 190.

اقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) سورة البقرة، الآية 191 .

قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) سورة البقرة، الآية 193 .

قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) سورة البقرة، الآية 244.

لكن ما هو غير منطقي هو أن نجعل هذه الآيات أوامر "عسكرية" إلهية لا تقبل العصيان، وترقى بالتالي إلى مستوى العقيدة. وهذا خطأ مدمر للأمن والاستقرار.

مثل تلك الآيات، رغم أنها مشفوعة أحياناً باجتناب الاعتداء والعدوان، إلا أن هذا لا يكفي لإزالة أثرها على "عسكرة" الوعي الإسلامي لا سيما في شقه الفقهي والسلفي. وهكذا، لا بد من خيار أكثر معقولية ومصداقية، لابد من موقف اجتهادي حازم وحاسم.

ما عساني أقول؟

عندما يفقد القرآن

وظيفته الأصلية

يصبح عائقاً ثقافياً

علينا أن ندرك أن الوحي القرآني قد انتقل إلينا، ليس فقط بواسطة لغة الرّسول، وإنما جاء الخطاب القرآني في الأول والأخير ثمرة لتلك "الوساطة" نفسها؛ إذ ليس ثمة من لغة محايدة.

لذلك، نستنتج أن آيات الدعوة إلى القتل والقتال في القرآن لا تمثل أي قانون مقدس أو تشريع إلهي، إنما هي مجرّد توصيات فرعية تناسب ثقافة عصر الرسول، عصر لا وجود فيه لدولة المؤسسات، أو ليس بعد. حيث كانت الحالة الغالبة هي حالة "من غلب على شيء أكله". أما مفاهيم الحق والقانون والمؤسسات، فلم تكن معروفة آنذاك. وليس في حكم الوارد أن يخاطب الدين الناس بما لا يعرفون، ولا ضمن المتاح أن يكون الرّسول على معرفة بها.

ولهذا السبب، عندما يفقد القرآن وظيفته الأصلية، وهي التعبّد والصلاة، ويدخل حقل الحراك السياسي فإنه يصبح عائقاً ثقافياً أمام بناء دولة المؤسسات. مثلما يحدث اليوم في أفغانسان والصومال وغزة وغيرها.