محمد عزالدين الصندوق

يشكل الفكر الانساني الاساس في البناء الاجتماعي سواء كان هذا المجتمع بدائيا يغلفه الفكر الطوطمي او في قمة تحضره يلعب الفكر العلمي دورا رائدا في بنائه و توجيهه. كما يصعب الفصل بين الفكر و المجتمع الفاعل فيه فكلا الطرفين يؤثر في الاخر و يتفاعل معه. مرت اوربا منذ القرون الوسطى و حتى عصرنا الحاضر بمراحل اجتماعية و فكرية مختلفه .اسست هذه المراحل بمجملها الوضع الفكري و الاجتماعي الحالي.

كما وضعت اسس ديناميكية التطور الاجتماعي. ومن اهم المراحل التي ما نزال ندرك صداها في عصرنا هي ما يدعى بعصر التنوير (1650-1700) والثورة الصناعية (1750-1850) و الحركات الانسانية. بدء عصر التنوير في اوربا حوالي القرن الثامن عشر حيث بدئت فلسفة العقل دورها في تحريك المجتمع و الدفع باتجاه تعزيز المعرفة.

باروك سبينوزا: من رواد لاتجاه العقلاني في القرن السابع عشر

بدء هذا الاتجاه العقلاني في القرن السابع عشرمتمثلا بباروك سبينوزا وجون لوك وفولتير واخرون. لقد كان باروك سبينوزا مفكرا عقلانيا يهوديا واجه الكثير من الرفض والمصاعب من قبل المتشددين اليهود ولكن افكاره وجدت صداها في عصر التنوير. استندت هذه النهضة الفكرية على اعلاء شان التفكير العقلي والنقاش الحر من دون خطوط حمراء. جاء عصر التنوير بعد عصر القمع الفكري (فترة محاكم التفتيش) ومن ثم تلى عصر التنوير الثورة الصناعية والحركات الانسانية. لقد قادت السيادة العقلية الى التطور الصناعي والتطور الاجتماعي.

الفكر الاسلامي يؤكد

على ان لا علم

خارج الفكر الديني

وهذا ما قاد الى حركات انسانية جبارة منذ القرن الثامن عشر قادت الى الغاء التعذيب والعبودية  والتمييز الجنسي والعنصري ....لقد ظهر الحركات الانسانية ضمن تجمعات اصلاحية صغيرة نشطة استطاعت ان تُفعل المجتمعات الغربية باتجاه حركاتها الانسانية. ولعبت الاكاديميات العلمية دورا بعد ان تطورت هي الاخرى لتساهم في مجتمعاتها. يتميز القرن الثالث عشر في كونه قرن نشوء الجامعات[1] حيث تاسست جامعة باريس (فرنسا) واوكسفورد (انكلترا) وكمبردج (انكلترا) وبادوا (ايطاليا) ونابليس (ايطاليا) وفي نفس القرن تاسست المدرسة المستنصرية في بغداد. بقت الجامعات الغربية وتطورت وهي ما تزال قائمة تحمل تراثها المتصل معززة المعرفة الانسانية بالكثير من الانجازات في حين لم يكتب للمستنصرية ان تتطور وعندما تأسست الدولة العراقية (1921) كانت هذه الجامعة مجرد بقايا اطلال وخرائب ومكان لخزن البضائع. كانت المستنصرية مدرسة تهتم بالعلوم الدينية وبقت كذلك حتى اندثارها المتذبذب. في حين نجد الجامعات الغربية كانت قد بدأت بصورة مماثلة ولكنها تطورت لتشمل كافة جوانب المعرفة والعلوم. ان سبب ذلك الخمول والسكون وثم الاندثار هو المفهوم الاجتماعي للعلم الذي بلوره الفكر الاسلامي والذي يؤكد على ان لا علم خارج الفكر الديني[2].

من الخلاصة اعلاه نجد ان التطور الاجتماعي الغربي سار باتجاه تراكمي تدريجي ومن خلال القوى الفاعلة فكرية كانت او اجتماعية. ومر بمراحل التطور الطبيعية.

جون لوك: رائد المدرسة التجريبية والمنهج العقلاني والليبرالية الكلاسكية

لا شك في أن التطور التكنولوجي المتسارع ترك ويترك تأثيراته الفكرية على الإبداع الفكري والفني في المجتمعات المتطورة. لذا كثيرا ما تظهر وبنفس سرعة الانجاز التكنولوجي أنماط فكريه وأطروحات تحاول أن تستوعب الحياة الحديثة. أن المجتمعات الغربية تعتمد النظم الدقيقة والمترابطة في بناء حياتها. وهذه النظم ذات جذور تعود لعدة قرون دون أن تقف يوما عن التحديث والتطور.

وكما يحاول الغرب أن يدرس كل شيء ليس لاجل الدراسة  فقط بل للاستفادة  فأن الغرب درس متفلسفا تطوره الحضاري المتسارع.  وكانت على اثر ذلك مفردة الحداثة (Modernity) والتي شاء حظها أن تدخل قواميس المصطلحات الفلسفية المعاصرة. واختلف مفكرو الحداثة فيها ومتى بدأت مرحلة الحداثة هذه و... ألا ان مما لاشك فيه ان عصر التنوير والثورة الصناعية والحركات الانسانية كان لها دورها الاساسي في مواجهة التحديات وقادت الى معطيات حديثة في مختلف جوانب الحياة السياسية والفنية والعلمية...لذا فان البعض من فلاسفة الحداثة يعيدها الى القرن الخامس عشر[3] والبعض يحيل بدايتها الى عصر التنوير. ونتيجة التطور المتسارع هناك من يرى بان الحداثة مرت بادوار ثلاث[4]. وهناك من يرى ان هذه المجتمعات الغربية قد دخلت مرحلة ما بعد الحداثة (Post-modernity) بعد النصف الثاني من القرن العشرين.

كانت المجتمعات العربية

والاسلامية تعيش

خمولا حضاريا

لقد سابق و ان بينا[5] بان المجتمعات  العربية والاسلامية عاشت حالة غير طبيعية من التخلف الحضاري منذ القرن الحادي عشر او الثاني عشر وحتى سقوط الدولة العثمانية. وباندحار الدولة العثمانية المتخلفة حضاريا في الحرب العالمية الأولى بدأت المجتمعات العربية والاسلامية محاولات عسيرة للتململ من اجل الاستيقاظ ومن ثم النهوض. على هذا فان هذه المجتمعات لم تعرف بعد نمط التفكير العقلي الذي قُمع مع المعتزلة والذي كان الاساس في عصر التنوير الغربي. في الوقت الذي كانت المجتمعات الغربية تعيش صراعات عسيرة من اجل التحديث المستمر كانت المجتمعات العربية والاسلامية تعيش خمولا حضاريا . لذا لامعنى لوجود الحداثة في هذه المجتمعات بل كان هناك تراجعا  ‘Backwardness’  مرعبا ويزداد تراجعا مع الزمن بالنسبة للمجتمعات المتطورة. وبعد الحرب العالمية الاولى حيث بدء الامتزاج  الحضاري مع العالم اخذ التراجع بالتوقف. وهنا تشكل الحرب العالمية الاولى نهاية النفق الزمني للتراجع . اما المرحلة اللاحقة والتي ما زالت فاعلة هي مرحلة ما بعد التراجع ‘Post-backwardness’.

اندحار الدولة العثمانية عام 1922: بداية المحاولات العسيرة للمجتمعات العربية والاسلامية للتململ من اجل الاستيقاظ

لقد توقف التراجع مع بداية القرن العشرين ولكنه ما زال فاعلا. ان الجذور التي تمتد الى قرون عدة لا يمكن اقتلاعها بسنين ولا عشرات السنين.  ان مرحلة ما بعد التخلف هي مرحلة البحث عن الطريق او الهوية. انها ولا شك مرحلة مضطربة الا ان الاشكالية الكبرى هي ان سبب التخلف الاساسي ما زال قائما وبعيدا عن الاهتمام. أن نمط التفكير السائد والمقيد بخطوط حمراء كثيرة تجعل من مساحة الحرية الفكرية ضيقة جدا. وبذلك تكون الحركة الفكرية شبه مستحيلة على ذلك كانت كافة محاولات التململ من اجل الاستيقاظ والنهوض عديمة الجدوى .

هنا يجب ان نؤكد اربعة انعطافات مهمة في تاريخ تطور المجتمعات العربية والاسلامية وعلى اساس الابداع الفكري:

ان مرحلة ما

بعد التخلف هي

مرحلة البحث عن

الطريق او الهوية

1-  ظهور الاسلام ونشوء الدولة القومية والاسلامية. وبداية ظهور ابداع فكري متميزمع بداية ظهور المرحلة العقليه في الفكر الاسلامي. استمرت هذه الفترة ما يقارب الاربعة قرون.

2-  نهاية الحرية الفكرية وقمع الابداع العلمي حوالي القرن الحادي عشر. وهذا ما قاد الى الركود الفكري والخمول الاجتماعي والانعزال عن الحضارة الانسانية. استمرت هذه الفترة ما يقارب التسعة قرون[1].

3-  الحرب العالمية الاولى. قادت الحرب الى تغيرات سياسية كثيرة ومنها نهاية الدولة العثمانيه التي كانت تسيطر على معظم العالم الاسلامي والعربي . تشكل الحرب العالمية الاولى مرحلة بداية  نهاية الانعزال الاجتماعي عن الحضارة الانسانية في بداية القرن العشرين.

4-    خلال القرن العشرين ظهرت مراحل التململ الاجتماعي من اجل الاستيقاظ وثم النهوض وتكون الدول القومية المستقلة والبحث عن هوية . هذه المرحلة هي مرحلة ما بعد التراجع والتي تمثل اخطر المراحل في تاريخ هذه المجتمعات. أن مرحلة ما بعد التراجع ما تزال في بدايتها ولم تتخطى بعد حدود التململ غير الواعي. وابرز ما يمثل هذه المرحلة هو الصدمة الثقافية الاجتماعية (Culture Shock). الصدمة الثقافية ذات طابع فردي وتنتج عن اختلاط الفرد بمجتمعات جديدة مختلفة وهذه الحالة معروفة في علم النفس والاجتماع[6]. الا ان الصدمة الثقافية الاجتماعية الناتجة عن اختلاط مجتمع معزول بمجتمعات اخرى فهذه حالة نادرة .

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)

المصادر

1-  (M. I. Sanduk, Growth of science under the social influence in Arabic-Islamic and Western Civilisations, 700-1900 (Statistical Models  http://philsci-archive.pitt.edu/9012

2-  ناصر بن حمد الفهد, حقيقة الحضارة الاسلامية. http://www.tawhed.ws/r?i=008j8m2r

3-   Stephen Edelston Toulmin, 1990, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity. New York: Free Press, Paperback reprint 1992, Chicago: University of Chicago Press

4-    1982 , Marshall Berman, All That Is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity. New York: Simon and Schuster

5-    محمد الصندوق, الحرية والتراجعات الحضارية. موقع المصلح

6-    Dr. Lalervo Oberg, Culture Shock and the Problem of Adjustment to the New Cultural Environments, World Wide Classroom Consortium for International Education & Multicultural Studies. 29 Sept 2009