رياض حمادي

"العربي يعجب بماضيه وأسلافه وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله" - جمال الدين الأفغاني

"كما في كل قطيعة فإن الدور الأول يعود إلى العقل البشري. وحده العقل الذي حررته العلمنة من قيد السلفيات والغيبيات يمكن أن يثور ويثوِّر معه التقنية ووسائل الإنتاج"

"تمديد أجل ما صار جزءً من التراث لن يُعد إلا تحنيطا" - جورج طرابيشي

دعاة العودة إلى النص من خلال العودة إلى تراث البلاغة العربية في "عصرها الذهبي" يتهمون دعاة الحداثة بممارسة قطيعة معرفية مع هذا التراث ويدَّعون بأنه لا ضمان للمستقبل بدون الارتباط الثقافي بالماضي الحضاري وهم بذلك يصوغون معادلة لا سبيل إلى التقدم بدونها قائمة على (ماض + حاضر = مستقبل) وهي معادلة شكلية لا غبار عليها لو كان الهدف هو المستقبل لكن ليس هذا هو الحال مع دعاة العودة إلى الماضي فالمستقبل يرادف في معادلتهم الماضي والعكس صحيح. هؤلاء يتناسون بأن الإسلام – صانع نهضة العرب قديما – هو أول من مارس هذا النوع من القطيعة مع تراث الماضي ليس ذلك وحسب بل وسفه هذا الماضي بأن أطلق عليه الوصف "جاهلي".

المستقبل يرادف

في معادلتهم

الماضي

فعلى ماذا تقوم معادلة النهضة, على إحداث قطيعة مع الماضي – خصوصا إذا كان هذا الماضي أداة تأخر لا تقدم – أم على الوصل معه؟ وأي نوع من القطيعة أو الوصل مطلوب في هذا السياق؟ وهل الوصل مع الماضي يضمن لنا الوصل مع العقل؟! وما مكانة العقل في هذا الماضي؟

جورج طرابيشي: الداعي للمران الحر للعقل البشري

والحديث هنا عن واقع الماضي العملي – التاريخي – لا النظري – عالم المثل العربي الإسلامي - ففي هذا الواقع الأخير يمكن التلفيق والتزوير والتأويل بحيث يتحول ذاك الماضي إلى جنة عقلية وارفة بالفكر. "ففي غرفة تشريح التاريخ تبدو الأشياء على غير صورتها في مرآة المثل الأعلى." الاكتفاء بالحديث عن التاريخ سيقودنا إلى الحديث عن تجربة المعتزلة الوحيدة والقصيرة في تاريخ الفكر الإسلامي. فهل يراد لنا العودة إلى ربوع تلك البرهة؟ وهل يمكن العودة حقا؟ وما هو شكل هذه العودة, هل بالاحتفاء بذلك الماضي والتذكير بأمجاده أم بتبني مقولاته ومنهجه؟ وهل يمكن لهذه المقولات وذاك المنهج أن يؤدي دوره المطلوب في سياق تاريخي مختلف ومتخلف؟! بمعنى آخر هل دواء داء الماضي يناسب أمراض الحاضر وعلله؟!

هذه ليست أسئلة بقدر ما هي إجابات فالماضي الذي يراد لنا العودة إليه نراه ونسمعه من المنابر السلفية المسيطرة والسائدة وهذه المنابر على علاقة سيئة بالعقل والعلم وهي لا ترى التقدم إلا في التقمص الكامل لكل أبعاد الماضي في الملبس والمأكل والمشرب بل وحتى في طريقة المشي والكلام !

في هذا الواقع الأخير

يمكن التلفيق

والتزوير والتأويل

الوصل مع تراث الماضي يعني من وجهة نظر الداعين إليه إلغاء فكر الحاضر بجعله أسيراً لفكر الماضي. بكلمة أخرى إلغاء فكر الأحياء وبعث فكر الموتى, أن نستعير واقع الماضي لينير لنا واقع حاضرنا ومستقبلنا. لكنهم لا يقولون لنا ذلك صراحةً, ففي سياق الدعاية والترويج لهذه العودة يصورون لنا ذاك الماضي مرادفا للنور, وهو كذلك لكنه نور لا يسطع إلا في غرفة الماضي السوداء

إن مصباح 'الماضي' باهر في الغرفة السوداء, ولكن ما أبهته عندما يخرج المرء إلى النور.

هذه العودة تريد لنا أن نقبع هناك أو أن ننطلق من هناك وهو ما يتناقض هنا مع معادلة الحداثة, بوصفها

المران الحر للعقل البشري والقطيعة الفلسفية مع الموقف الإيماني والاستلاب الميتافيزيقي

وقانون الحداثة ينص على التطور الدائم دون تنكر لماضيها لكن في نفس الوقت دون توقف عند أي لحظة من لحظاته مهما كانت أهميته.

السلفية: جعل فكر الحاضر أسيراً لفكر الماضي

والعودة التي يدعون إليها ذات مفاهيم أيديولوجية مفارقة لا ينطبق عليها قانون التقادم حيث تستطيع التشبث والبقاء حتى في ظل مفارقتها وعدم مطابقتها للواقع الجديد وهي بهذا تريد أن تحل محل المفاهيم العلمية التي تنزع إلى حل نفسها بنفسها متى فارقها الواقع لتحل محلها مفاهيم من طبيعة الواقع الجديد. باختصار

إذا لم تتم إحالة كل ما هو متقادم إلى التقاعد, فإن الحداثة ستكف عن أن تكون هي الحداثة. وتمديد أجل ما صار جزءاً من التراث لن يُعد إلا تحنيطا.

الوصل مع الماضي لن يكون إلا بالوصل مع العقل والوصل مع العقل يتطلب علمنة العلم والعقل واللغة والثقافة والمجتمع كآلية ومنصة انطلاق حضاري بدءً من المدرسة والمجتمع ومؤسسات الدولة المختلفة وهذه مهمة ليست بالهينة ويتطلب تنفيذها عشرات السنين. كما أن التقدم لا يتم بالنظر إلى الوراء إلا لدراسة مشكلاته وزلاته لتجنبها حاضرا ومستقبلا. فإذا كانت هذه دعوتهم فمرحبا بها.