حسن محسن رمضان

قام الدكتور دبليو رافن (W. Raven) بكتابة موضوع (السيرة) في (إنسكلوبيديا الإسلام) (Encyclopedia of Islam). ما كتبه في مقدمة الموضوع يمثل خلاصة الموقف الاستشراقي من نصوص سيرة النبي محمد. كتب رافن في المقدمة: "إن مادة السيرة ككل هي غير متجانسة بشكل كبير بحيث أي صورة متماسكة [مترابطة منطقياً] للنبي [محمد] من غير الممكن الحصول عليها من هذه النصوص.

"هل من الممكن استخدام أي من هذه النصوص [ولو بصورة جزئية] للخروج بسيرة ذاتية [للنبي] محمد بحيث تكون تاريخياً موثوقة، أو استخدامها لصالح بناء تأريخ للإسلام المبكر؟ [الجواب هو] أن هناك عدة اعتراضات تقف على الضد من هذه الإمكانية:

1- بالكاد يوجد أي نص كتابي للسيرة يرجع بتاريخه للقرن الأول للإسلام.

2- الروايات الكتابية المتعددة للسيرة غالباً ما تُظهر تناقضاً [أو تعارضاً]، سواء في المضمون أو الترتيب الزمني للأحداث.

3- كلما كانت المصادر أبعد زمنياً من حياة النبي محمد، كلما ادّعت بأنها تعرف أكثر عن حياته وتفاصيلها. [قارن على سبيل المثال اختصار سيرة ابن إسحاق (توفي 151 هـ) مع مغازي الواقدي (توفي 207 هـ)، ثم قارن كل ذلك مع المقريزي (توفي 845 هـ) في كتابه (إمتاع الأسماع)].
4- المصادر غير الإسلامية [عن حياة النبي أو فترة الإسلام المبكر] غالباً ما تختلف عن المصادر الإسلامية [وتتناقض معها].

5- أغلب نصوص السيرة من الممكن تصنيفها ضمن واحدة من الأنواع [الأربعة] المذكورة أعلاه. نصوص تاريخ الخلاص [المقصود بتاريخ الخلاص هو التاريخ الديني الذي يتولى كتابته المؤمنون والذي يضحي بحقيقة الواقع وما حدث بالفعل لصالح رؤية دينية عقائدية لم تحدث أصلاً ولم تقع ولكنه يلبسها لباس التاريخ] نصوص تاريخ الخلاص والتعقيبات [التفسير] على نصوص القرآن هي غير صالحة كمصدر لكتابة تأريخ علمي [لحياة النبي وللإسلام المبكر]".

مغازي النبي: تدمير الأصنام في مكة (صورة من حمله حيدري - 1808)

أحد أوجه الإشكالية الرئيسة تنبع من أن أول سيرة مكتوبة وصلت شذرات منها لنا عن حياة النبي محمد قد قام بها محمد بن إسحاق بعد حوالي 120 سنة أو أكثر من تاريخ الحوادث التي يؤرخها (توفي ابن إسحاق 151 هـ). كل هذه المدة كانت تفاصيل السيرة النبوية يتم تداولها شفهياً من دون تدوين. ومما هو جدير بالملاحظة أن عبد الملك بن هشام (توفي 218) بعد أن التقى تلميذ ابن إسحاق الذي نقل كتاب السيرة له، زياد البكّائي الكوفي (توفي 183 هـ)، قد قام باختصار هذه السيرة، ثم ليكتب عن السبب لاختصاره سيرة ابن إسحاق الآتي:

وأنا (...) تارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله (ص) فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيراً له، ولا شاهداً عليه، لِما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياءٌ بعضها يشنع الحديث به، وبعضٌ يسوء بعضَ الناس ذكره، وبعضٌ لم يُقِر لنا البكّائي بروايته.

فابن هشام قد شكّ أصلاً بصحة بعض تفاصيل أول سيرة نبوية مكتوبة ولذلك قام بحذفها، هذا بالإضافة إلى تعمده حذف بعض التفاصيل الأخرى لأنها برأيه (يشنع الحديث به). ومما يزيد الدهشة والغرابة، وكما ذكرنا سابقاً، أن الأصل الذي اختصره ابن هشام، أي كتاب محمد بن إسحاق، أول سيرة مكتوبة للنبي محمد، قد اختفت تماماً من التداول بين المسلمين وليحل محلها المختصر الذي قام به ابن هشام.

المحور الثاني الذي يضع نصوص السيرة النبوية تحت طائلة النقد هو أن الظرف الذي تم تداول أحداث هذه السيرة فيه شفهياً من دون تدوين هو ظرف متصارع سياسياً وعقائدياً وغير محايد، ولا يمانع حتى في استخدام العنف والتصفية ضد أي تصور يخالف التصور الشعبي – السياسي لحياة النبي محمد. يقول بسام الجمل في كتابه (أسباب النزول):

أثبتت الدراسات الحديثة أن الرواية الشفوية تكون متحولة باستمرار في بنيتها السردية، وتستعصي على أشكال التحديد كلها. ويتخذ هذا التحول صوراً عديدة أهمها التصرف في الرواية (الأصل) بالزيادة أو النقصان من ناحية، وبالتقديم والتأخير في بعض مكوناتها اللغوية من ناحية أخرى. وفضلاً عن ذلك، فإن ناقل الرواية يكون متأثراً بضغوط واقعه التاريخي وإكراهاته، سواء أكان واعياً بذلك أم غير واع. ولذلك يكون لهذه العمليات التي تمر بها الرواية الشفهية إنعكاس عميق في ما تفيده من دلالة غالباً ما تختلف عن الدلالة التي قصدها صاحب الرواية الأولى.

وإن كان ما سبق إيراده في المقالة هو تدليل صريح لبعض ما ورد في هذا الاقتباس، فإن ما تبقى منه من تقرير سوف أدلل على صحته من خلال مثالين اثنين يتم الإثبات من خلالهما أن السيرة النبوية تعرضت لتنقيح واع متعمد بسبب سياق اجتماعي ضاغط من جهة، وآخر سياسي مصلحي – عنيف من جهة أخرى مما تسبب بدون أدنى شك في "محو" أجزاء من السيرة النبوية من الذاكرة الشفهية، وبالتالي اضطرار الرواة، إما بسبب نجاح هذا المحو المتعمد أو بسبب الظرف السياسي الاجتماعي، إلى ملأ تلك الفراغات في السيرة بطريقة أو بأخرى.

العقيدة هي التي

كانت تريد أن

تكتب التاريخ

وكيع بن الجراح (129 هـ - 197 هـ)، أحد أئمة الحديث. وصفه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) بقوله: "كان من بحور العلم وأئمة الحفظ"، وقال عنه أحمد بن حنبل: "ما رأيت أحداً أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع"، وحديثه في صحيحي البخاري ومسلم. تعرض وكيع إلى محنة كادت أن تقتله بسبب رواية رواها في وفاة النبي. يقول الذهبي في (سير أعلام النبلاء) عن هذه المحنة:

نصوص تاريخ الخلاص وتفاسير علي نصوص القرآن غير صالحة كمصدر لكتابة تأريخ علمي

محنة وكيع، وهي غريبة، تورط فيها ولم يرد إلا خيراً. ولكن فاتته سكتة. وقد قال النبي (كفى بالمرء إثماً أن يُحدّثَ بكل ما سمع) (...) قال علي بن خشرم، حدثنا وكيع [بن الجراح] (...) أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي بعد وفاته، فأكبَّ عليه، فقَبَّله، وقال: (بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك)، ثم قال (...): وكان تُرك يوماً وليلة حتى ربا بطنه وانثنت خنصراه. قال ابن خشرم: فلما حدّث وكيع بهذا بمكة، اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه (...) قال علي بن خشرم: سمعت الحديث من وكيع، بعدما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته (...) [يقول الذهبي]: فهذه زلة عالم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد؟ كادت نفسه أن تذهب غلطاً، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون. فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غضاً ما لمنصب النبوة (...) النبي فمفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن وما زال أطيب ريحاً من المسك، وهو حي في لحده حياة مثله في البرزخ التي هي أكمل من حياة سائر النبيين (...) ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب، وفي مثل (تاريخ الحافظ ابن عساكر) وفي (كامل الحافظ ابن عدي) لأعرضت عنها جملة (...) فرفع ذلك إلى العثماني [والي مكة] فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم (...) فدخل سفيان [بن عيينة] على العثماني، يعني متولي مكة، فكلمه فيه (...) فعمل فيه كلام سفيان فأمر بإطلاقه (...) فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: (إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه) (...) فبعثنا بريداً إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد، رد، ومضى إلى الكوفة.

تأثير المجهود

الاستشراقي سوف

يكون لصالح إعادة

النظر في الكثير من

المفاهيم الإسلامية

في محنة وكيع مثال باهر على أن (العقيدة) هي التي كانت تريد أن تكتب (التاريخ)، ولم يكن الهدف إطلاقاً كتابة (تأريخ) العقيدة في الذهنية الإسلامية المبكرة والوسطى. فالذهبي يلوم وكيع لأنه (فاتته سكتة)، ويؤكد حصول "الأجر" لمن أراد قتل وكيع، ولولا أن تلك الرواية مذكورة في كتب أخرى لغض الذهبي النظر عنها وسكت حتى يتم محوها تماماً من الذاكرة والتدوين لسيرة النبي محمد. ولم يتجرأ أحد بعد وكيع أن يروي الخبر، أو أن يثبته في السيرة النبوية على أنها رواية على الأقل "قد قيلت" في وفاته. ولكن السؤال الذي يُلح على فكر الناقد أمام هذه الرواية هو: كم من الروايات الأخرى التي كانت متداولة شفهياً قد تم الحجر عليها ومحوها من الذاكرة لأنها كانت على النقيض من العقيدة التي أريد لها أن تهيمن؟

المثال الثاني هو عن تدخل السلطة السياسية السافر لكتمان أوجه متعددة في السيرة النبوية. فقد أورد الزبير بن بكار (توفي 256 هـ) في (الأخبار الموفقيات) خبراً آخر يوضّح بجلاء تدخل السلطة الأموية في نصوص السيرة والتاريخ:

مصير كتب تُعرِّفُ الناس "أموراً لا نريد أن يعرفوها"

قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً سنة اثنتين وثمانين، وهو ولي عهد. فمر بالمدينة، فدخل عليه الناس فسلَّموا عليه. وركب إلى مشاهد النبي (ص) التي صلى فيها، وحيث أُصيبَ أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان وعمرو بن عثمان وأبو بكر بن عبدالله بن أبي أحمد، فأتوا به قباء ومسجد الفضيخ ومشربة أم إبراهيم وأُحد، وكلٌّ يسألهم ويخبرونه عمّا كان. ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبي (ص) ومغازيه. فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصححة ممن أثق به. فأمر بنسخها، وألقى فيها إلى عشرة من الكُتّاب فكتبوها في رق. فلما صارت إليه، نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنتُ أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فإما أن يكون أهل بيتي غَمصوا عليهم، وإما أن يكونوا ليس كذلك (...) قال: ما حاجتي إلى أنْ أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين [عبد الملك بن مروان]، لعله يخالفه. فأمر بذلك الكتاب فحُرِّق.

وعندما رجع سليمان وأخبر عبد الملك بن مروان بالسيرة التي عند أبان، أجابه: "وما حاجتكَ أنْ تَقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تُعرِّفُ أهلَ الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها؟ قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى أستطلع رأيَ أمير المؤمنين. فصوّبَ رأيه".

الخلاصة هي أن نصوص السيرة النبوية كما نقرؤها اليوم تحمل ضمن طياتها إشكالات متعددة. فإشكالاتها لا تقف فقط عند حدود الذهنية التي تُسلّم لكل ما ورد فيها بحيث تكون إنعكاسات نصوصها فردياً محدوداً، ولكنها تتعداها إلى تأثير أكثر خطورة عندما يتم الاستشهاد بنصوصها في التشريع والفتوى. والمجهود الاستشراقي الذي قاد الطريق في أوجه متعددة من نقد النصوص الإسلامية، على محدودية تأثيره ضمن العالم الإسلامي اليوم، فإن تأثيره المستقبلي، وبدون أي شك، سوف يكون لصالح إعادة النظر في الكثير من المفاهيم الإسلامية التي نراها فاعلة حولنا اليوم.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)