محمد عز الدين الصندوق

لم يقف الدين الاسلامي موقفا معارضا للعلم (كمفهوم عام) وكذلك هي حال الاديان الابراهيميه الاخرى اليهودية والمسيحية. وخير مثال على تقبل الاسلام كدين للعمل العلمي هو النهضة العلمية في العصر العباسي والتي كانت نتيجة الانفتاح الحضاري والفكري للاعتزال. لقد قاد فكر الاعتزال وهو فكر اسلامي الى نهضة علمية كانت هائلة حسب مقياسها الزمني.

الا ان انماط فكرية اسلامية اخرى ( مثل الفكر الاشعري والمتوريدي..) حاربت العقل والعلم منذ القرن التاسع وبعده وتم اعتبار علماء النهضة العلمية في الفترة العباسية خارجين عن الاسلام و بقى هذا الاعتبار قائما حتى وقتنا الحاضر في مؤسسات الفكر الديني المعاصر [1].

الفكر الاسلامي

كان السباق

في محاربته

للفكر العلمي

لقد تعرض العلم الى المعارضة وحتى المحاربة الدينية من قبل الافكار الاسلامية والمسيحية واليهودية وباشكال واساليب مختلفة.  الا ان الفكر الاسلامي كان السباق في محاربته للفكر العلمي. حيث بدئت محاربة العقل منذ عهد المعتمد العباسي (870-892) وموقفه معروف من المعتزلة. لم يكن وقتها الفكر العلمي قد تبلور بعد ولكن نمط التفكير العقلي كان وراء نموالنشاط العلمي في مختلف الحضارات وقت ذاك. وبلغت ذروة المحاربة للعقل في القرن الحادي عشر عندما تم تنظير الخطوط الفكرية الحمراء للفكر الاسلامي وحُرمت حرية التفكير والفلسفة ( الغزالي وابن تيمية واخرون ) وقادت تلك الخطوط الحمراء الى تراجع حضاري خطر عاشته وما تزال تعيشه المجتمعات الاسلامية [2]. وهكذا تم تكفير وتحقير الحسن بن الهيثم وابن سينا والرازي وجميع علماء النهضة اليتيمة منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر [3,1].

النقد الذاتي للفاتكان: حكم الكنيسة على كاليليو كان "خطا"

ظهرت محاكم التفتيش الكاثوليكية منذ القرن الثاني عشر الا انها كان في مواجهة مع العلم في حدود القرن الخامس عشر عندما تبنت الكنيسة نظرية الفلك الارسطية التى رفضها بعض العلماء. ولكون الجذور الفلسفية كانت من العراقة بمكان في الغرب فان الفكر المسيحي لم يتمكن من قمع الفكر العلمي وحرية التفكير.

أما بالنسبة لليهودية فانها هي الاخرى وقفت معارضة للاكتشافات العلمية التي لا تتفق مع ما جاء في النصوص المقدسة. ولكن لم تصل حدود المحاربة الفكرية (كما تعامل الفكر الاسلامي) والجسدية (كما تعاملت الكنيسة المسيحية الكاثوليكية). وهناك من حاول ان يوافق بين النمطين ومن ابرز هولاء المفكرين اليهود الحاخام موسى بن ميمون القرطبي (1135-1204 Maimonides) والذي عاصر بداية الانحطاط العلمي في الحضارة العربية الاسلامية.

بعد انفصال الكنيسة وعبور مرحلة محاكم التفتيش واستقلال المعرفة العلمية طورت الكنيسة المسيحية نظرتها للعلم ورغم عدم اعترافها ببعض النظريات العلمية القائمة حاليا الا انها لا ترفض الفكر العلمي كمنطق بحثي. وللفاتكان الان اهتمامات علمية ومركز علمي بحثي هو الاكاديمية البابوية للعلوم [Pontifical Academy of Sciences) [4) ويعمل بمنطق البحث العلمي دون ان تُطرح فكرة نصرنة العلم. تأسست الاكاديمية البابوية عام 1936 وتهدف الى تشجيع التقدم العلمي في العلوم والرياضيات والفيزياء ودراسات معرفية  اخرى ذات علاقة بالعلم.

الاكاديمية البابوية للعلوم: مثال على تقبل الدين  للعمل العلمي

ومن اعضائها علماء ملحدين من امثال ستيفن هوكنك (Stephen Hawking) الفيزيائي البريطاني. كما لدى الفاتكان مرصد للبحوث الفلكية يقع في روما. تطورت فكرة الفاتكان حول العلم بعد النقد الذاتي الذي وجهه البابا جون بول الثاني عام 1992 عندما صرح بان حكم الكنيسة في القرن السابع عشر على الفلكي الايطالي كاليليو(Galileo Galilei) كان خطا سببه عدم الفهم المتبادل المأساوي [5]. وفي كانون الثاني عام 2008 كرم البابا بندكتوس السادس عشر الفلكي كاليليو وقال بان كاليليووغيره من العلماء ساعد المؤمنين بفهم افضل والتامل بامتنان لاعمال الرب [6].

وليس هذا فقط بل ان موقع الاكاديمية البابوية وضع صورة كاليليو في واجهة الموقع. وفي موقف اخر للكنيسة من العلم هوتعديل موقفها من مشكلة نظرية التطور التي تعارضت كليا مع قصة الخليقة كما جاءت في الكتاب المقدس. ففي عام 1996 وفي رسالة وجهها البابا جون بول الثاني الى الاكاديمية البابوية للعلوم قال فيها:

اليوم وبعد مضي ما يقارب من النصف قرن على نشر معرفة جديدة قادت للاعتراف بنظرية التطور وبكونها اكثر من ان تكون مجرد افتراضا. انه من الرائع ان تم قبول هذه النظرية تدريجيا من قبل الباحثين وبعد سلسلة من الاكتشافات في مختلف جوانب المعرفة. ان نتائج البحوث التي اجريت بصورة منفردة ومستقلة كانت متقاربة وغير ملفقة  وهذا بحد ذاته حجة كبيرة لصالح النظرية[7].

البابا جون بول الثاني: "نظرية التطور اكثر من مجرد افتراض"

أنه ولا شك كلام خطير ومهم جدا من قبل قمة الهرم الكنسي ويعكس تصورا دقيقا لفهم طبيعة العمل العلمي الموضوعي. النقد الذاتي لمواقف لا علاقة لها بالقداسة من شأنها ان تحل اوتساعد في حل  الكثير من الاشكالات ذات الابعاد الدينية والتأريخية. أن اقتراب الكنيسة من العلم ما زال غير كافيا ولكنه بالتاكيد خطوة جبارة بالاتجاه الصحيح وانه سوف يتطور.

من جهة اخرى نجد ان هناك الكثير من رجال الدين المسيحي ممن عمل في المجال العلمي وهذا بحد ذاته اعترافا بعدم التعارض ما بين منطق العمل العلمي (وليس نتيجة العمل العلمي) والفكر المسيحي. من اقدم رجال الدين الذين اهتموا بالعلم وطوروه  نيكولاس كوبرنيكوس (Copernicus 1473-1543). لقد كان كوبرنيكوس قسيسا كاثوليكيا ولكنه رفض الفلك الارسطي ومركزية الارض التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية وقدم بدلا عنها نظرية مركزية الشمس لذا عاش حياته مشردا هاربا من سلطة الكنيسة وتمت ادانة نظريته عام 1616.

الاب جورج جورج لميتر: استاذ الفيزياء ومقترح نظرية الانفجار الكبير

لم تبقى الكنيسة على تعنتها حيث تنازلت عن ادانتها واعترفت بمركزية الشمس عام 1835. وهناك عالم الوراثة النمساوي كريكور مندل (1822-1884 Gregor Mendel) الذي كان هو الاخر رجل دين مسيحي وقادت تجاربه الى اكتشاف واحد من اهم قوانين الوراثة. ومن العلماء المعاصرين العالم البلجيكي جورج لميتر  (Georges Lemaître 1894-1966) الذي اقترح نظرية الانفجار الكبير والتي تعتبر الان من اكثر النظريات قبولا في نشوء الكون. لقد كان لمتير رجل دين مسيحي ويدرك جيدا طريقة البحث العلمي. هناك الكثير من الباحثين والعلماء المؤمنين الكاثوليك الذين لا يجدون تعارضا بين فكرهم العلمي النقدي وايمانهم ولكل واحد منهم تصوره الخاص في معالجة قضية ايمانه وتبنيه للفكر العلمي.

بمرور الزمن استطاع الفكر المسيحي ان يتوائم الى حدما مع الفكر العلمي في حين استمر الفكر الاسلامي رافضاً للمنطق العقلي. لاشك في ان الجذور السطحية للفكر الفلسفي الاسلامي لم تهيئ للاعتزال قابلية الصمود والعودة من جديد. لذا انتهى النشاط العلمي بانتهاء العقل مع الاعتزال وفكره الاسلامي [8].


 


[1] ناصر بن حمد الفهد, حقيقة الحضارة الاسلامية.  http://www.tawhed.ws/r?i=008j8m2r. Retrieved 2011-12-22.

[2] M. I. Sanduk, Growth of science under the social influence in Arabic-Islamic and Western Civilisations, 700-1900 (Statistical Models).

[3] فتاوى شيخ الإسلام: 35/135،  درء التعارض: 2/281، الحاديات في مذكراته - في تاريخ الفلاسفة ص 270 ومجموع الفتاوى: 9/214 – 215. الرد على المنطقيين ص141.

[4] Pontifical Academy of Sciences http://www.vatican.va/roman_curia/pontifical_academies/acdscien/

[5] "Vatican admits Galileo was right". New Scientist. 1992-11-07. http://www.newscientist.com/article/mg13618460.600-vatican-admits-galileo-was-right-.html. Retrieved 26-2-2012

[6] http://www.zimbio.com/The+Roman+Catholic+Church/articles/432/Message+Galileo+Forgiven. Retrieved  26-2-2012

[7]Message to the pontifical academy of science: On evolution, Pope John Paul II. http://www.ewtn.com/library/PAPALDOC/JP961022.htm. Retrieved 26-2-2012

[8] العلوم الطبيعية بين الدين والفكر الديني ,M. I. Sanduk, Almuslih