العفيف الأخضر

فهمُ الخصم السياسي ضروري للتعامل معه بعقلانية. فهم أقصى اليمين الإسلامي يتطلب، في ما يتطلب، دراسته دراسة مقارنة مع أقصى اليمين العنصري في الغرب، تحديداً في أوربا. الشخصية النفسية للقيادات المتطرفة تتسم بالجمود الذهني، الذي يجعلها عاجزة عن وضع نفسها موضع الآخر لفهمه، وأيضاً لتفهمه عند الضرورة؛ كما يجعلها عاجزة عن الانتقال من أخلاق القناعة المتهورة إلى أخلاق المسؤولية العقلانية.

هذه الشخصية متشابهة عند أقصى اليمين الإسلامي وأقصى اليمين العنصري، طبعاً مع فروق عائدة إلى الخصوصيات الثقافية لكل منهما. فما هي القواسم المشتركة التي يتقاسمانها؟

- الشعبوية، أي الديماغوجية: اليمينان يخاطبان غرائز الشعب وأوهامه عن نفسه، وعن العالم الذي يعيش فيه، بدلاً من مخاطبته بلغة الحقيقة، التي كثيراً ما تصدم أحكامه المسبقة ورغباته المقطوعة من الواقع، ويعدانه بضرورة التحقيق الفوري لمطالبه المستحيلة التطبيق. شعبية أقصى اليمين الإسلامي وأقصى اليمين العنصري يستمدانها من هذه الشعبوية الرخيصة؛

الانتقام لجروحهم النرجسية

- الرغبة السادية في الانتقام: جروحهم النرجسية، الفردية والجمعية الكثيرة والعميقة تجعلهما ظامئين لشرب الدم في جماجم خصومهما، وهو ما يجعل تصرفاتهما وحروبهما وثوراتهما دموية: هتلر وخميني نموذجاً؛

- العجز عن ممارسة النقد الذاتي: الجمود الذهني، وأخلاق القناعة والبارانويا الهاذية، هي عوائق ذهنية لوضع الذات موضع سؤال، الذي لا يقدم عليه إلا من أقاموا الحداد على امتلاك الحقيقة المطلقة، وتحلوا بتواضع مالك ابن أنس:

رأينا صحيح يحتمل الخطأ ورأيهم (=الخصوم) خطأ يحتمل الصواب.

- التطرف بما هو عجز عن ممارسة الاعتدال، الذي هو موقف وسط بين تطرفين، هو إحدى السمات الأبرز لدى اليمينين الإسلامي والعنصري؛ فالحقيقة السياسية في نظرهما لا تقع في الوسط، في المساومات وأنصاف الحلول، بل تقع في الأقصى: ”لنا الصدر أو القبر. . ."؛

- الهوية الوحيدة الجانب عند كليهما يختزلها أقصى اليمين الإسلامي إلى الدين وأقصى اليمين العنصري إلى القومية؛ والحال أنها متعددة، متنوعة، مفتوحة على التطور والتكيف مع المستجدات؛

- تكفير الحداثة بما هي قطيعة مع ماضي الأسلاف وتقليد لكفار”دار الحرب" عند أقصى اليمين الإسلامي وبما هي قطيعة مع التراث المسيحي الملكي عند أقصى اليمين العنصري؛

- عداء فلسفة الأنوار بما هي علمانية عند الإسلاميين وبما هي، عند العنصريين، الأم الشرعية للثورة الفرنسية، “أم المفاسد” جميعاً من الجمهورية إلى العلمانية؛

- رفض المساواة بين البشر: بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم عند الإسلاميين، وبين الجلد الأبيض والجلود الملونة عند العنصريين (عوضت "العرق" الأبيض بالجلد الأبيض إذ أن العرق بيولوجياً أسطورة كأسطورة آدم وحواء وحام وسام)؛

- رفض تحديد النسل لأنه "وأد معاص" (ر. الغنوشي )عند الإسلاميين، كما تُعتبر إباحة الإجهاض، عند العنصريين، مؤامرة لإبادة الجلد الأبيض. . . دبرها اليهود عند كليهما؛

- رفض المتغيرات التاريخية باسم "الثوابت"، ثوابت العصر الذهبي، أي الخلافة الراشدة عند الإسلاميين وملكية "الحق الإلهي" عند العنصريين بما هما ثابتان لا يعترفان بمتغيرات التاريخ؛

تكفير الحداثة

- رفض الديمقراطية بما هي تداول على الحكم يتنافى مع الخلافة مدى الحياة عند الإسلاميين، ومع الملكية الوراثية عند العنصريين؛

- اعتبار جميع أنظمة الحكم الحديثة "فاسدة ومفسدة"، لا صلاح لها، إذن موعودة بالإسقاط بالثورة الإسلامية؟ عند الإسلاميين، وبالحرب الأهلية القومية عند العنصريين.

- الاعتقاد الأعمى في "مؤامرة" دار الحرب واليهود عند الإسلاميين واليهود ودار الإسلام عند العنصريين؛

- رهاب "الغزو الثقافي" القادم من الغرب عند الإسلاميين، ورفض “غزو الأغراب” القادم من الهجرة عند العنصريين؛

- الجهاد إلى قيام الساعة لإدخال البشرية كلها في "دين الله"؛ وعداء دار الحرب (= أوربا قديماً والغرب حديثاً)، وتحريم وتجريم تقليدها في حداثتها المؤسساتية والعلمية والقيمية: “ حتى في ما فيه مصلحة لنا”، كما يقول ابن تيمية، مضيفاً:

لأن الله إما أن يعطينا خيراً منه في الدنيا وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة!

أقصى اليمين

الإسلامي غير

مهيأ ليعيش

في العالم الذي

يعيش فيه

من هنا ضرورة الجهاد في الغزو الثقافي، أي غزو الحداثة لمجتمعاتنا عبر تدفق السياح والمستثمرين والعلوم والفنون والقيم وأسلوب الحياة التي تغير عاداتنا بما تحمله من "محدثات الحداثة" و"شر الأمور محدثاتها"، كما يقول الحديث. و"إعادة الخلافة والتطبيق الكامل للشريعة" كرمز المجتمع الإسلامي النقي من البدع، أي الذي لم تدنسه "شوائب" التاريخ!

نقد مشروع أقصى اليمين الإسلامي بسلاح الفكر، وبكل وسائل اللاعنفية الأخرى، يمشي على قدمين: تحليل الأخطار الكامنة فيه، وإصلاح الإسلام بتطهيره من فقه الولاء والبراء، أي من العنف الشرعي والجهادي ومن الإنغلاق على كل جديد في الفكر والحياة، عبر تخصيبه بالعقلانية الدينية.

مقاربتنا لفهم ظواهر العالم الذي نعيش فيه ينبغي أن تكون دائماً عقلانية: مقاربة النصين المؤسسين، القرآن والحديث، بعلوم الأديان المعاصرة، ومقاربة الأحداث السياسية الجارية بعلوم الإنسان، أولاً، اجتناباً للإنشاء العقيم السائد، وثانياً لأننا، بعلوم الأديان وعلوم الإنسان، نستطيع فهم تاريخنا كما حدث في التاريخ وفهم الواقع كما هو واقع في الحاضر؛ مثل هذه المقاربة كفيلة بضمان الحد الضروري من الموضوعية وصرامة التحليل اللذين يساعدان على الفهم.

الجهاد في الغزو الثقافي، أي غزو الحداثة

لماذا هذه المزاوجة الشاقة بين فهم الماضي وفهم الحاضر بتحديد خيطهما الناظم؟ لأن عدم تنزيل المكاسب النظرية المتأتية من دراسة ماضينا على الوقائع اليومية يُفقد النظرية قوتها على الإفهام وعلى التفسير.

شعار أقصى اليمين: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". أي بتطبيق أوامر ونواهي الولاء والبراء في علاقاتنا بمجتمعاتنا وبالمجتمعات الأخرى، هو في حد ذاته برنامج يهزأ بالمتغيرات والضرورات التاريخية. بالتأكيد، نجح حزب الولاء والبراء، حزب الحديث، في القضاء على العقلانية الدينية الكلامية والفلسفية بواسطة تكفير” العلوم الدخيلة”، أي أساساً المنطق والفلسفة اليونانيين. لأن الاتجاه التاريخي كان آنذاك، القرنين 11، 12، يناضل لصالح الانغلاق، أما الاتجاه العقلاني المضاد له فقد كان في موقع الدفاع اليائس.

النخب العربية

كانت مازالت

أسيرة المنطق

الجهادي

اختلفت المعادلة اليوم: الاتجاه التاريخي الأساسي هو إلى تحديث الحداثة في البلدان الحديثة، وإدخال الحداثة إلى البلدان ما قبل الحديثة. هذا الاتجاه تحمله اليوم ثورة الاتصالات إلى خبايا وزوايا جميع المجتمعات، ليس كعرض يحاول فرض نفسه، بل كطلب طوعي من المجتمعات المتلهفة إلى دخول نادي الحداثة. النخب العربية الإسلامية في القرن الـ 19 كانت مازالت أسيرة المنطق الجهادي، فطمحت إلى تقليد أوربا في صناعة السلاح وتنظيم الجيوش للحاق بها عسكريا؛ أما النخب والأجيال المعاصرة فتطمح إلى اللحاق بالحداثة الأوربية المعولمة، في المؤسسات والعلوم والقيم، قيم حقوق الإنسان وحريته.

وهذا بحد ذاته نقلة ذهنية كبرى سيكون لها قبل وبعد. حتى شباب أقصى اليمين الإسلامي والعناصر الأقل جموداً ذهنياً في قياداته أصبحوا هم أيضاً منفتحين أكثر فأكثر على روح الحداثة: على التلاقح الثقافي الكثيف بين الثقافات والديانات؛ وأساليب الحياة، التي كانت إلى الأمس القريب تبدو متعارضة، تبدو اليوم متكاملة؛ التلاقح الثقافي يصيب اليوم في الصميم وسواس النقاء المستحوذ على رؤوس قادة أقصى اليمين الإسلامي والغربي: نقاء العقيدة عند الأول ونقاء "العرق" عند الثاني ونقاء اللغة عند كليهما. فعلوم الأديان وعلوم الإنسان ترصد وتحلل اليوم الشوائب والتهجين في جميع شؤون الدين والدنيا.

ترياق انغلاق أقصى اليمين هو ثورة الاتصالات التي هي اليوم الفاعل الأساسي للمجتمع المفتوح، للفرد المستقل الذي يصبو إلى تقرير مصيره بنفسه في حياته اليومية، الفرد الذي بات يرفض القيادات السلطوية التي لم يخترها بحرية.

الهوية الوحيدة الجانب

الانتفاض على قيادات الدولة السلطوية تزامن أيضاً مع بداية انتفاض قواعد الإخوان المسلمين على قيادتهم السلطوية. مساءلتهم لم تعد محرّمة ونقدهم لم يعد كفراً؛ بعد شباب "حزب الوسط" الذي انشق عن الإخوان، تظهر الاتجاهات السياسية الحداثية في صلبهم مطالبة بالفصل بين الدين والسياسة، وبحقها في النقد العلني لتكلس الذهنيات القيادية التي لم توقت ساعتها على ساعة العالم المعولم الذي تعيش فيه.

أقصى اليمين الإسلامي غير مهيأ ليعيش في العالم الذي يعيش فيه؛ هو، بتقوقعه على هويته الأحادية الجانب، عاجز تعريفاً عن التواصل مع عالمٍ هويته التعددية والتهجين والسيولة.

أقصى اليمين يعتبر التجديد بدعة. والعالم الذي يعيش فيه يبدع ويبتدع كل ثانية في الفن والأدب والعلم والشعر والسياسة والدين. . . باختصار، أقصى اليمين الإسلامي يعيش خارج عالمه، أي خارج التاريخ. ومن يعش خارج التاريخ يهُمشه التاريخ.