العفيف الأخضر

ان العلم في القرآن لا علاقة له بمفهوم العلوم الحديثة القائمة على البرهانين العقلاني (الرياضي) والتجريبي، التي لم تظهر لأول مرة إلا في القرن 17 مع فجر الثورة العلمية. بل لا علاقة له حتى بمفهوم العلوم اليونانية والرومانية والهندية والصينية والفارسية القائمة على الحدوس والظنون والملاحظة التي لا تتوفر فيها كل شروط الملاحظة العلمية.

بل هذه العلوم هي "العلوم المذمومة" في الإسلام. العلم القرآني هو "نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن" كما يقول الإمام مالك. أما "العلوم الدخيلة" أو "علوم الأعاجم" من الطب إلى الفلك مرورا بالمنطق والفلسفة:

فلم تكن تُدرس في دروس التعليم الديني التي كانت تُلقى في الجوامع والمدارس بل أن دخول علوم الأعاجم في العلوم الدينية اعتبره أهل الحديث غزوا خطيرا يضع جوهر الإسلام نفسه في خطر. من هنا جاء رد الفعل العنيف أحيانا ضد المذاهب الجديدة الموسومة بالبدعة المذمومة، إذ أنها لا أساس لها في القرآن، إنْ لم تكن في تعارض صريح مع معطيات الوحي. حارب مسلمون كثيرون من جميع المذاهب مَن كانوا، في نظرهم، يعطون تأثيرا لأمثال أفلاطون وأرسطو أو جالينوس أكثر مما كانوا يعطونه لكتاب الله (معجم القرآن، صص 803 804).

آدم وحواء من "زبدة التواريخ" لسيد لقمان عاشوري

ما أشبه الليلة بالبارحة! ما زال الأحفاد يواصلون حرب أسلافهم على "العلوم الدخيلة" التي "لا تتفق مع كتاب الله" مثل الكوسمولوجيا الفلكية الحديثة وعلم الأجنة الحديث والجغرافيا الحديثة التي لا تتفق مع الكوسمولوجيا القرآنية وعلم الأجنة القرآني ولا مع الجغرافيا القرآنية التي تؤكد وجود 7 أراضين... مما ترتب عنه عمليا إقصاء العلوم الحديثة التي "لا تتطابق مع كتاب الله" وبما أن كل العلوم لا تكاد تتطابق مع كتاب الله، فقد أقصيت إما من المؤسسة المدرسية وإما من وعي المسلمين بتكفيرها. وهذا ما ترتبت عنه نتيجة أدهى: رُهاب قطاع من الشباب المتعلّم من العلوم التي يدرسها، حتى في الجامعات الغربية، وهو يعي أنها تتناقض مع "حقائق دينه" "العلمية".

وهذا ما قد يفسر كارثة أن طلبة وأساتذة في الكليات العلمية الإسلامية مازالوا يعتقدون في صحة الأساطير البابلية التي ترجمها أحبار السبي البابلي عن ملحمة جلجامش وغيرها من الأساطير في "سفر التكوين" التوراتي عن خلق الكون، من 7 آلهة في 7 أيام، وخلـْق آدم من صلصال وخلـْق حواء من ضلع آدم – الذي فسره فرويد بأنه فانتازم استمنائي – وطوفان نوح، ونوح نفسه الذي عاش 950 عاما، والشمس التي تغرب في عين في الأرض فيها "طين أسود" الى آخر قائمة الأساطير الطويلة التي صنفتها البشرية المفكّرة، منذ قرنين على الأقل، في ارشيفات الأساطير...

المسؤول عن استمرار هذه الكارثة ليس الحركات الإسلامية التي تدافع عنها كحقائق علمية. فهذه الأخيرة لا تفعل شيئا غير القيام بدورها كحركات معادية للحداثة مؤسسات وعلوما وقيما عقلانية وإنسانية... بل المسؤول الحقيقي هو صنّاع القرار التربوي الذين لم يقدموا للتلامذة والطلبة مناهج مماثلة لمناهج التعليم في العالم، حتى في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يدْرس التلامذة، مثلا، مبادئ نظرية التطور عن تكوّن الحياة النباتية والحيوانية انطلاقا من البكتريا وحيدة الخلية في المحيط البدائي منذ زُهاء 4 مليار سنة؛ وليس من عدم Ex Nihilo كما تقول الرواية الأسطورية – الدينية عن "الزوجين الأولين": آدم وحواء... كما يدرسون ملحمة تطور الإنسان من قرد إفريقي منذ حوالي 8 ملايين عام هو ابن عم الشمبانزي الذي يشاركنا في 99% من البرنامج الجيني. علما بأن جينات الحمار والفرس متماثلة بنسبة 96% فقط ومع ذلك ينجبان البغل. لماذا؟ لأنهما تطورا عن جَد واحد. هذه الحقائق الأولية التي غدت مسلّمات بديهية للوعي العلمي العالمي ما زالت تثير سُعار فقهاء الإسلام المتمترسين وراء يقين أعمى في الرواية البابلية - التوراتية – القرآنية الرمزية. أصدر شيخ الأزهر سنة 2000 قرارا بحظر طبع أي كتاب عن نظرية التطور بعد نشر د. عبد الصبور شاهين كتابه "أبي آدم"!

تاريخ الصراع بين

العلم والدين يعلمنا

استحالة نجاح الدين

في إرغام العلم

على التطابق معه

تاريخ الصراع بين العلم والدين يعلمنا استحالة نجاح الدين في إرغام العلم على التطابق معه لأنهما ينتميان إلى حقلين معرفيين لا يجمعهما قاسم مشترك. حقائق الدين إيمانية ثابتة وكاملة وبالمقابل حقائق العلم عقلانية، تجريبية ومؤقتة وأبعد ما تكون عن الكمال. فهي فرضيات في تطور لا ينتهي من الأقل دقة إلى الأدق، ومن تفسير محدود لبعض الظواهر إلى تفسير أكثر اتساعا. وهكذا فالحقيقة العلمية خاضعة لسنة التطور والتصحيح الذاتي المتواصل. تاريخ العلم يبرهن على أن المعارف البشرية في لحظة ما هي مجموع الفرضيات المتنافسة التي أُعتبرت صحيحة مؤقتا ثم تم تعديلها لاحقا بفرضيات جديدة أكثر تفسيرا لعدد أكبر من الظواهر وبأخطاء أقل وهكذا دواليك. إذن فرض ضوابط إسلامية على البحث العلمي هو جناية على الإسلام والعلم معا.

صنّاع القرار التربوي لم يقدموا للطلبة مناهج مماثلة لمناهج التعليم في العالم

تخليص الوعي الجمعي الإسلامي من عائق أن القرآن موسوعة علمية لن يتحقق بمجرد توقف المدرسة عن حشو أدمغة التلامذة والطلبة بها. فهناك مدرسة بلا جدران من 6 آلاف موقع إسلامي تقصف بلا توقف رؤوس الشباب بالأساطير المعادية للعلم. بل بالأحرى يتحقق بتدريس وُجْهتي النظر العلمية والدينية المنافيتين لهذه الأسطورة؛ لماذا لا تُدرج فقرات من هذا المقال في المقررات المدرسية؟ ولماذا لا تُدرس آراء فقهاء الإسلام الذين عارضوا هذيان التفسير العلمي للقرآن منذ الشاطبي الذي فند هذا التفسير بواقعة أن القرآن خاطب العرب الأميين على قدر عقولهم ووفق علومهم المعروفة في زمانهم

فـ"الشريعة أميّة لنزولها في قوم أميين (...) وليس من الحكمة أن يُخاطب القوم بما لا يفهمون (...) وأن يُكلفوا بما لا يعقلون (الموافقات، ج2 ص ص 69، 85، 88)

إلى بنت الشاطئ التي اعتبرت التفسير العلمي للقرآن:

ظلالا وخلطا ماسخا لحرمة الدين ومهينا لمنطق العصر وكرامة العلم (بنت الشاطئ، القرآن والتفسير العصري ص 7

وبنت الشاطئ نفسها هي التي ردّت على مستشرق سوفياتي قال أن في القرآن أخطاء طبية: وأي ضير في ذلك؟

فالقرآن ليس كتاب طب، هو كتاب روحي فهل فيه خطأ روحي واحد؟

وإلى الشيخ متولي الشعراوي الذي كتب:

إن الذين يقولون أن القرآن لم يأت ككتاب علم صادقون. ذلك أنه كتاب أتى ليعلمني الأحكام، ولم يأت ليعلمني الجغرافيا أو الكيمياء أو الطبيعة؟ (محمد متولي الشعراوي، "معجزة القرآن"، ص 47)

يا صنّاع القرار التربوي إلى متى تتركون المدرسة الإسلامية تنحر أمام أعينكم مستقبل أبنائكم؟!

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)