نضال نعيسة

البدونة في إحدى نسخها، وقراءاتها، هي التجسيد  الأعلى لقيم لقبيلة البطريركية الأبوية الصارمة،  التي كانت سائدة في الصحراء قبل 1400 عاماً، ويبدو أنها بعثت من جديد بفعل الساحر الجديد ونافخ الأرواح البترودولار.وقيم القبيلة،  تعني فيما تعني، الطاعة التراتبية العمياء والخضوع التام والولاء لكل من في القبيلة،

الأمر الذي يلغي المحاكمة القيمية  للأمور، بذات القدر الذي يلغي القيمة الفردية للإنسان بجعله مجرد رقم في جماعة متجانسة لا نتوءات ولا فروقات تذكر بين أفرادها، وبالكاد تميز بين فرد وآخر من أفرادها، ولا مكان فيها،  لرأي آخر سوى رأي زعيم القبيلة، وهذا هو مفتاح الشمولية الفكرية  Totalitarianism  الاستبداد الشرقي المقيم. وهناك مبدأ قبلي - بدوي صحراوي معروف، ظل سائداً حتى اليوم، يقول: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، أخوة الدم والانتماء القبلي، ما يعني أن لا مكان للتفكير، أو للعدل، ولا مكان للحياد، أو لأي شكل من الديمقراطية والتفاضل والتمييز  في قيم البداوة والقبيلة القائمة على منطق الولاء المطلق والاصطفاف الأعمى، وهذا ما انعكس على مجمل الأوضاع العامة في البلاد الإسلامية التي لا تعرف حتى اليوم أي نوع من سيادة القيم الديمقراطية. 

وفي الحقيقة هناك تداخل ظاهر هنا بين الدين والبدونة في عمقه وجوهره وأصوله. وهناك حديث شريف بهذا المعنى والاتجاه عن نبي الإسلام يقول: "من خرج عن الطاقة وفارق الجماعة، ومات فقد مات ميتة جاهلية"[1]. أي لا مجال للعمل والتفكير الفردي خارج نطاق الجماعة. أنه فرض للتفكير والعقل الجمعي الـ  Collective Mind الذي يلغي التفكير الفردي ويحل مكانه وبشيء من المقدس. تداخل لا يمكن فصله أحياناً عن قيم القبيلة. فهل وقع الدين في مطب البدونة، أم أن البدونة فرضت إيقاعها عليه؟

 هل العادة البدوية النقاب هي تدين؟

وخلال العقود الأربعة الماضية حدثت عملية إحلال (replacement process)  للبدونة مكان الإسلام. وصارت طقوس البدونة تحل فعلياً محل طقوس الإسلام، فيكفي اليوم أن تلبس الأزياء البدوية كي تسلم من سهام النقد ويتم قبولك اجتماعياً. والرجل الغربي، اليوم، وحتى أي إنسان، في أي مكان من العالم، حين يرى امرأة بعباءة سوداء ونقاب سيتبادر إلى ذهنه أن هذه المرأة هي امرأة مسلمة متدينة، من دون معرفة حقيقتها، أو تحقق من هويتها[2]، أو قياس فعلي لدرجة الإيمان في قلبها، أو التأكد من أنها متدينة فعلاً، تماماً كما يتبادر لذهنه حين يرى  راهبة  مسيحية  متدينة فعلاً وأصلاً وجوهراً، والتي لها أزياؤها الخاصة بها كما نعلم. فالزي البدوي صار هو الزي الإسلامي. وصار لزاماً علينا الاعتقاد أن من تلبس ذاك الزي هي متدينة، وربما مقدسة بعض الشيء، رغم أنها تلبس زياً بدوياً محلياً. إنها محض عملية خلط وضبابية واضحة.   

 يسود اعتقاد راسخ اليوم، أن العادة البدوية النقاب هي تدين، ولذا انتشر على نطاق واسع بين الفتيات والنساء، كما هو الحال بالنسبة لعادات بدوية أخرى كلبس الغترة والعقال، والدشداشة، وإطلاق اللحى وحف الشوارب وحمل المسواك وتقصير الثوب بالنسبة للرجال، ومظاهر الدروشة الأخرى التي هي محض بدونة وليس تديناً، وهي ترفض كل مظاهر الحداثة والتمدن والانخراط في قيم العصر. نعم لقد صارت البدونة  معادلاً موضوعياً للدين،  ومن هنا برزت الحاجة اليوم   لفصل البدونة عن الدين، ومن ثم يمكن أن نفكر بعميلة فصل للدين عن الدولة.   

صارت البدونة

ملازمة للإسلام

في نظر كثيرين

والأخطر من ذلك أن التصدي للبدونة، صار في نظر كثيرين هو تصد وعداء للدين، وحتى شيخ الأزهر نفسه، لم يسلم من سهام التكفير، حين تصدى لبدونة الفتاة عبر تنقيبها، واعتبره كثيرون مهاجماً وعدواً للإسلام.

ولكي يتجنب البدو توجيه أي انتقاد لسلوكياتهم، فقد ربطوا بين البداوة، والدين، وأحاطوها بهالة من الإطلاقية واعطوها شيئاً من القداسة. واليوم يحاول البعض ترويج البدونة عبر الإنفاق الإعلامي الهائل،  لإيهام  البسطاء، بأنها  هي الدين.  وحين يحاول ليوم أي شخص أن يفرق بين البدونة والإسلام سرعان  ما يتعرض لسهام التكفير والخروج أو المروق من الدين، والذي يعني عقوبة الموت،  إذ صارت البدونة ملازمة للإسلام في نظر كثيرين.

قبل سبعينات القرن الماضي، أي مع بروز البترودولارات كمحرك[3] اجتماعي وحامل اقتصادي وهدف معيشي،  لم تكن مظاهر البدونة على هذا القدر من الانتشار،  ويمكن القول أن الناس كانوا جميعاً مسلمين في باطنهم، معتدلين في أقوالهم، محتشمين في مأكلهم ومشربهم وسلوكهم، والأهم من ذلك كله متقبلين للآخر، أي آخر كان، أي أنهم كانوا أكثر إسلاماً مما هم عليه اليوم في عصر الصحوة الإسلامية[4]  Islamic Revivalism or Awakening. هم الآن يظهرون كبدو في قبائل صحراوية،  أكثر مما يظهرون كمواطنين مسلمين في دول مدنية.  

  تفاقمت البدونة وطغت على كل شيء

من يعتقدون اليوم أنهم يتدينون، ويتسلفنون، هم في واقع الحال يتبدونون،  لأن الدين بنظرهم هو نقاب ولحية وتكشيرة وعبوس وانعزال ورفض للقيم الحضارية والإنسانية المدنية الحديثة لا بل محاولة محاربتها والقضاء، بعكس الإسلام السابق في أوجه وعزه حين انفتح على حضارات الغير وتفاعل معها، وأخذ منها الشيء الكثير، وحركة الترجمة الكبرى التي جرت في صدر الإسلام تدل على انفتاحه على حضارة وفكر الغير.     

 لقد تفاقمت البدونة في مجتمعاتنا، وطغت على كل شيء، وباتت عامل تذمر وامتعاض وغضب ونفور، حتى من شيخ الأزهر السابق نفسه، القيـّم والوصي، رمزياً، على الدين ذاته. ما حدا به إلى تلك الحركة العصبية العفوية بإزالة النقاب عن وجه الفتاة تلك. وأرجو ألا تتدهور الأمور، وهي في الواقع تتدهور كثيراً، إلى الدرجة واليوم، نجد أنفسنا جميعاً، غاضبين، وساخطين، على هذه البدونة، لدرجة أن "نمد" أيدينا على كل مظهر بدوي لإزالته، باليد والقوة وكما فعل شيخ الأزهر ذاته، وعندها سنعود إلى المربع الأول من الجدل العقيم ونفس دائرة العنف والدم التي ميزت هذه المنطقة من العالم.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

 

[1]  رواه الشيخان.
[2]  حدثت كثير من الجرائم الجنسية والجنائية من قبل رجال يرتدون البرقع والنقاب ويتخفون وراءه، ويظهروا على أنهم نساء ل ايجوز مساءلتهن أو التحقق من هويتهن لأن هذا التحقق  أي كشف الوجه، حسب القيم البدوية، يعتبر مساً بالمرأة وتعدياً عليها. 
[3]  يحلو لكثيرين تسمية حقبة الازدهار النفطي التي حملت البدونة إلى مجتمعات الغير عبر التأثير الطاغي للبترودولار بالصحوة الإسلامية
[4]  يردد كثير من المتأسلمين الصحويين، أن هذا النفط (البترودولار) ما هو إلا هبة ربانية  من السماء للمسلمين كدليل حب وتفضيل من قبل الله للمسلمين وتمييزه لهم عن غيرهم، باعتبار أن الدين عند الله هو الإسلام. والله، من جهة أخرى،  سخـّر لهم الغرب (الكافر)، كي يكتشف لهم النفط، ويقدم لهم الاختراعات ورغد العيش ويرفههم، وما عليهم هم سوى التفرغ للعبادة  وإقامة الصلوات.