ألفة يوسف

يقول الله تعالى: أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ الدّعوة واضحة إلى تدبّر القرآن وإلى النّظر فيه. ولا يقتصر النّظر في القرآن في رأينا على تدبّر معانيه المرجعيّة فحسب وإنّما على تدبّر معانيه السياقية والمقاميّة وهي عنصر أساسيّ من العناصر المكوّنة للدّلالة. من هذا المنظور نحاول أن نتدبّر مقولة شائعة حول القرآن وهي:

القرآن صالح لكلّ زمان ومكان. وعلينا أن ننتبه من البدء أنّ هذه المقولة حديثة إذ لم نلحظ تواترها في كتب القدامى. ولعلّ هذا دليل على أنّ هذه المسألة طُرحت حديثا بعد التطوّر التّاريخيّ ونشأة مسائل جديدة قد لا تكون مذكورة صراحة في القرآن شأن الاستنساخ مثلا أو استهلاك المخدّرات وسواها. لهذه القولة في رأينا معنيان:

تدبّر معانيه السياقية والمقاميّة

المعنى الأوّل (وهو الشّائع) هو أنّ الواقع التّاريخيّ البشريّ عليه أن يتحوّل دوما بما يلائم معنى النّصّ القرآنيّ. فالنّصّ من هذا المنظور جامد له معنى واحد مستقرّ والواقع التّاريخيّ هو الّذي يتحوّل ليناسب هذا المعنى. وفي هذا الإطار ندرج الأصوات الّتي ترتفع من حين إلى آخر داعية إلى عودة الرّقّ أو إلى تزويج الفتيات الصّغيرات إلخ.... وفي هذا الإطار ندرج الفتاوى الّتي تصدر بين الفينة والفينة شأن فتوى إرضاع الكبير (لتمكين المرأة من التعامل مع زملائها في العمل) أو فتوى تحريم الموسيقى ما كان منها وتريّا أو حتّى منع تصوير ما كان يحمل روحا.

إنّ هذه الأصوات لم تأت بتصوّراتها من فراغ أو من عدم وإنّما منطلقها النّصوص الدّينيّة فالقرآن لم يحرّم الرّق حرفيّا. صحيح أنّه لم يدع إلى الرّقّ ولكنّه تعامل معه بصفته أمرا واقعا. ولا أدلّ على ذلك من الآيات الّتي تحدّد أحكام الرّق من حدود خاصّة بالإماء دون الحرائر ومن بيان حالات العتق إلخ. والقرآن لم يحدّد سنّا مخصوصة للزّواج والأحاديث التي يعدّها المحدّثون وفق معاييرهم صحيحة عرضت لمبدأ إرضاع الكبير ولتحريم التّصوير إلخ

إنّ هذه الأصوات تقرأ القرآن قراءة حرفيّة أو لنقل إنّها تنظر في مداليل القرآن ضاربة صفحا عن ضرب أساسيّ من ضروب الدّلالة وهو السّياق والمقام. ويعتقد هؤلاء أنّ معنى القرآن جامد وأنّ على ما يحدث على معيش البشر ورؤاهم من تطوّر وتغيّر لازمين بموجب التّاريخ أن يتغيّر ليكون صورة لهذا المعنى الجامد.

المعنى الثّاني للقولة: القرآن صالح لكلّ زمان ومكان هو اعتبار القرآن حاملا لمعان متنوّعة تصلح لكلّ زمان ومكان. فمن هذا المنظور يكون القرآن فعلا نصّا معجزا لم يفرّط فيه الله تعالى من شيء. وأساس عدم التّفريط هذا قابليّة المعاني في النّص لأن تكون متعدّدة شاملة جميع الإمكانات والظّروف الّتاريخيّة.

يعتقد هؤلاء

انّ معنى

القرآن جامد

واللطيف أنّ كثيرا ممّن شهد الإسلام قد اندرج تعامله مع القرآن من هذا المنظور. وأكثر الأمثلة شيوعا ذاك الّذي يخصّ عمر بن الخطّاب الّذي أوقف العمل بقطع اليد سنة المجاعة، وهو نصّ صريح لا يضبط سياقا ولا مقاما لقطع يد السّارق وإنّما يورده في صيغته العامّة: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (المائدة 5/38). إنّ قرار عمر بن الخطّاب أن يأخذ بعين الاعتبار سياق "المجاعة" التّاريخيّ ليتجاوز حرفيّة النّص وظاهره إلى مقصده إنّما هو ثورة في فهم النّصّ القرآني لا سيّما إذا ما قورن بما نجده اليوم عند بعض المحدثين من تمسّك بحرفيّة النّص الجامدة.

وهذه الثّورة يجسّمها مفهوم "مقاصد الشّريعة" في موافقات الشّاطبي قديما وفي كتاب مقاصد الشريعة للطاهر ابن عاشور مثلا. إنّ الحديث عن مقاصد الشّريعة شأن حفظ النّفس والعرض والمال إنّما هو في حدّ ذاته تجاوز للقراءة الحرفيّة للنّص ذلك أنّ البحث في مقاصد النّص ليس بحثا في معانيه المرجعيّة الحرفيّة المتحوّلة وإنّما هو بحث في ما يحكم هذه المعاني الحرفيّة وما. وبذلك يمكن أن نميّز بين المقاصد الجوهريّة الّتي تحكم النّصّ باعتبارها صالحة لكلّ زمان ومكان وبين المعاني الحرفيّة السّياقيّة الّتي تتحوّل وفق السّياقات المختلفة.

وبعبارة أوضح وبالعودة مثلا إلى مثال إيقاف قطع يد السّارق فإنّ مقصد الشّارع من قطع اليد (على فرض فهمه بالمعنى الحرفيّ) إنّما هو عقاب المذنب بما ييسّر تعايش البشر ضمن المجموعة. أليس أنّ لنا في القصاص حياتا؟ ولكنّ عقاب المذنب زمن المجاعة لا يؤدّي تلك الوظيفة أو ذلك المقصد على أساس أنّ منطلق "السّرقة" هو الحاجة التي فشل المجتمع في تحقيقها لأفراده. فمن هذا المنظور لا يحقّق المعنى الحرفيّ لقطع اليد في هذه الحالة أيّ مقصد من مقاصد المشرّع بل على العكس إنّه يغدو نوعا من الظّلم لهذا الرّجل الذي دفعه الجوع إلى السّرقة بما ينفي عن فعله صفة الإرادة.

وفي الإطار نفسه يندرج ما قام به أحفاد عمر بعد قرون من وفاته بتقرير إلغاء الرّق رغم غياب نصّ صريح يمنعه. فالرّقّ رغم أنّ حرفيّة النّص تقتضيه إنّما هو لا يتلاءم مع جوهر القرآن وجوهر الإسلام القائم على المساواة بين البشر. فمقصد الشريعة وهو المساواة أشمل من عدم إلغاء الرّقّ المتّصل بأسباب تاريخية واقتصاديّة معلومة لدى المشتغلين بتاريخ الشعوب زمن نزول القرآن وبعده.

محمود طه: قراءة لطيفة للقرآن

في المثالين المضروبين (والأمثلة سواهما عديدة)، نتبيّن أنّ صلاحيّة القرآن لكلّ زمان ومكان لا تفيد المعنى الشّائع القائم على تغيّر الواقع التّاريخيّ ليلائم نصّا معانيه جامدة. وإنّما تنشأ صلاحيّة القرآن لكلّ زمان ومكان من اشتماله على ضروب متنوّعة من المعاني: معان حرفيّة يمكن الأخذ بها في سياقات مّا (شأن حدّ السّرقة والرقّ) ومعان قيميّة تحكم تلك المعاني الحرفيّة (شأن المساواة بين البشر وعدم تطبيق الحدود ما لم تتوفّر شروط ذلك التّطبيق إلخ) يمكن الأخذ بها في سياقات أخرى.

وقد قدّم محمود طه قراءة لطيفة للقرآن يمكن إدراجها في هذا التصوّر مفادها أنّ الاختلاف الملاحظ بين الآيات المكّية القائمة على نشر الدّين بسلام وبالموعظة الحسنة والآيات المدنيّة القائمة على محاربة المشركين ليس اختلافا بين آيات ناسخة هي المدنيّة وآيات منسوخة هي المكّية وإنّما هو اختلاف بين آيات معناها حرفيّ متّصل بالمرحلة التاريخية التي لم يُجد فيها خطاب المشركين باللين نفعا ممّا جعلهم يواصلون إيذاءهم للرسول صلى الله عليه وسلّم وأصحابه من جهة وآيات معناها مفارق تجسّم جوهر الإسلام والأديان عموما القائم على التّسامح والحوار والمجادلة بالحسنى.

إنّ وعينا بأنّ الله تعالى ما فرّط في الكتاب من شيء، وأنّه عزّ وجلّ دعانا إلى تدبّر القرآن طريق لكي نفهم أنّ صلاحية القرآن لكلّ زمان ومكان إنّما هي موجودة في معاني القرآن المتعدّدة الشّاملة لجميع إمكانات التّطوّر التّاريخيّ للبشر عبر العصور.