عبد الحميد الانصاري

السلفية من المفاهيم الأكثر تداولاً في الساحتين: الإعلامية و الدينية، وسلف في اللغة: ما مضى من الزمن، وسلف المرء: آباؤه المتقدمون، وكانت السلفية في أصل نشأتها التاريخية في القرن 2هـ (الثامن الميلادي) تحمل مفهوماً فضفاضاً يضم كافة المذاهب السائرة على نهج "السلف الصالح" وهم الصحابه و التابعون، 

وبعد محنة خلق القرآن أصبحت تطلق على "أهل السنة و الجماعة" وهم التيار العام للمسلمين في مقابل المعتزلة "أهل العدل و التوحيد" و الشيعة "أهل البيت" وعبر تحولات سياسية و اجتماعية انحسر مفهوم السلفية ليطلق على أتباع الإمام أحمد، المؤسس التاريخي للسلفية ( ت241 هـ ) وأهل الحديث، ووصولاً إلى عصر الإمام ابن تيمية (ت 728 هـ ) أصبحت السلفية توجهاً عقدياً مغلقاً، حتى إذا جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1791م ) وتحالف مع الحكم السعودي ( 1747م) تحولت إلى سلفية وهابية متعصبة ومقترنة بعنف منهجي شكلت الأساس الأيدلوجي لتوحيد المملكة العربية السعودية، لكن السلفية الوهابية إضطرت إلى تخفيف حمولتها التاريخية العدائية والتكفيرية بتدخل السلطة السياسية وضغط المجتمع الدولي ولإعتبارات مصلحية، وإن بقي الأصل التكفيري في مناهجها وكتبها و فتاواها، وفرخت السلفية الوهابية سلفيات معاصرة، أبرزها:

 تعلم وجوب موالاة المؤمن ومعاداة الكافر

1. السلفية التقليدية ( المستأنسة أو المروضة ) ويمثلها رجال المؤسسة الدينية.
2. السلفية السياسية أو المسيسة: التي تشارك في الإنتخابات و البرلمانات.
3. السلفية الجهادية: أتباع الفكر القاعدي.

إلا أن السلفيات المعاصرة تجمعها خطاب دعوي سياسي له سمات مشتركة أبرزها:

أولاً: كراهية الآخر ( الديني والمذهبي ) وهي كراهية مؤصلة بنصوص وفتاوى ومناهج تلقن الناشئة  عقيدة ”الولاء والبراء” أي وجوب موالاة المؤمن ومعاداة الكافر، ومن مظاهرها: عدم تحية النصارى أوتعزيتهم أومشاركتهم في احتفالاتهم أوالسماح ببناء كنائس في الجزيرة العربية، وجواز لعنهم والدعاء عليهم، وقد اشتكت أم في صحيفة سعودية من أن المدرسة تلقن ابنتها الصغيرة كراهية غير المسلمين في كتاب ”التوحيد” وقالت: كيف أعلم ابنتي بغض من اكتشف الأنسولين ودواء الملاريا ومن اخترع المصباح الكهربائي الذي أضاء العالم الإسلامي؟!

ثانياً: تملك الصواب المطلق: يدعي الخطاب السلفي قيامه على الحقيقة المطلقة فلا يؤمن بنسبية الحقائق المعرفية، فهويؤمن بالرأي الواحد والتفسير الواحد والعقيدة الصحيحة الواحدة، لذلك يرفض الرأي الآخر ولا يتقبل ثقافة الحوار.

ثالثاً: معاداة الحداثة: في كافة مظاهرها في الثقافة والفكر والتنظيمات والتشريعات والفنون والمسرح والموسيقى والأغاني والملبس والمأكل، لأن” من تشبه بقوم فهومنهم”.

الخطاب السلفي:

خوف وضعف

وعدم ثقة في

الذات

رابعاً: التوسع في التحريم: تحريم حلق اللحى، في مصر دعا سلفيوالفيسبوك إلى إطلاق مليون لحية بمناسبة شهر رمضان! وتحريم إطالة الثوب وكشف وجه المرأة وتحريم الإختلاط وقد أفتى أحد مشايخ السعودية بقتل دعاة الإختلاط! وهناك من دعا إلى هدم المسجد الحرام وإعادة بنائه بشكل يمنع الإختلاط بين الجنسين، ونذكر هنا قائمة المحرمات التي أصدرتها جماعة طالبان 1996 كنموذج.

خامساً: معاداة أجواء الفرح والبهجة والسعي للتضييق على الناس عبر الشرطة الدينية” هيئة الأمر بالمعروف” التي تلاحق الناس في الأسواق والمجمعات.

سادساً: إثارة معارك حول أمور فقهية خلافية مثل زيارة القبور والتوسل بالصالحين وإقامة الأضرحة والإحتفال بالمولد النبوي  وطمس الآثار التاريخية.

سابعاً: احتقار المرأة: يعاني الخطاب السلفي من حساسية مرضية تجاه أي أمر يخص المرأة: ملابسها، عملها، حركتها في المجتمع، تعليمها، سفرها، قيادتها للسيارة وكافة حقوقها، يتوجس من المرأة ويعتبرها مصدر الغواية ويفرض عليها الوصي المرشد، في السودان حكم على امرأة بالجلد لأنها لبست البنطلون، ومفتي استراليا شبه المرأة باللحم المكشوف الذي يغري القطط بالإفتراس!

ثامناً: إحتكار الجنة: بناءً على حديث يقول أن المسلمين يتفرقون إلى 73 فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، قال السلفيون نحن الفرقة الناجية بخلاف بقية الفرق الإسلامية: الشيعة، الصوفية، الأشاعرة لأن عقائدهم فيها شركيات وبدع.

التركيز على جانب العقوبات واحتقار المرأة

تاسعاً: التركيز على جانب العقوبات في الشريعة: مثل الرجم للزاني وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر، ولذلك يؤيد الخطاب السلفي أي نظام سياسي يرفع شعار الشريعة بغض النظر عن استبداده وفساده وقمعه للشعب ومصادرته للحريات مثل نظام طالبان الذي يعد أسوأ نموذج في الحكم الديني.

عاشراً: التفسير الظاهري للنص الديني: دون أي إعمال للعقل أوادراك للعلل والمقاصد الشرعية اكتفاءً ب(فهم السلف ) مع أن السلف إختلفوا في كثير من الأحكام، وبناءً عليه يشكك الخطاب السلفي في عقائد 99% من المسلمين!

حادي عشر: إهمال القضايا الكبرى للأمة: الشورى، العدالة، المساواة، الحقوق والحريات، المعارضة السياسية، ولذلك يحرم الخطاب السلفي المظاهرات العامة بحجة أن ولي الأمر يحكم مدى الحياة وطاعته واجبة.

ثاني عشر: التعصب الذي يصل إلى الغلوفي أئمة وشيوخ السلفية وعدم قبول أي نقد فيهم.

حرية التعبير: "ارهاب غربي"

ثالث عشر: الضيق بمناخ الحريات ومساندة مصادرة الإبداع ومحاربة أصحاب الفكر الحر والمسارعة إلى تكفيرهم: أدباء ومفكرين وفنانين وشعراء، واستخدام منابر المساجد والمواقع الإلكترونية في إصدار فتاوى محرضة ضد الليبراليين والمبدعين، وقد منحت جامعة الإمام بالرياض دكتوراه بإمتياز لباحث سعودي عن رسالته” الإنحراف العقدي في أدب الحداثة” كفر فيها 200 مثقف عربي.

رابع عشر: مشروعية العنف: كوسيلة لإقامة الأمر بالمعروف وإزالة المنكر سواءً عبر الشرطة الدينية الرسمية أوعبر آحاد الناس إحتساباً.

خامس عشر: فرض الوصاية الدينية على المجتمع حيث يعتبر السلفيون أنفسهم حراساً للعقيدة وحماة للدين والفضائل والأخلاق.

ختاماً: هذه أبرز علل الخطاب السلفي السائد والذي يعاني انكفاء على الذات، وهي علل بنيوية تنبئ عن خوف وضعف وعدم ثقة في الذات وعدم القدرة على الإنفتاح على معطيات العصر والإفادة منها، وخطاب هذه وضعيته لا يمكن الإعتماد عليه في تحقيق الإصلاح الديني بل هوعامل معوق أمام النهضة والتقدم لأنه يتوجس من التغيرات السياسية ويخاف من التحولات الإجتماعية، إذ يرى في ماضي السلف مستقبله وهوفي إلتفاته إلى الوراء يستحظر الخلافيات العقيمة ليشغل الناس ويستنزف الجهود والطاقات فيما لا طائل وراءه بل يعمق الإنقسامات الدينية والمذهبية ويفرق بين أبناء المجتمع الواحد بناءً على معتقداتهم الدينية، وهذا أخطر ما يصاب به أي مجتمع بشري.