فاخر السلطان

تؤكد تجربة النزاع الديني – الديني (السني، الشيعي – السني السلفي، السني الإخواني - الشيعي في النجف، الشيعي في قم)، أو تجربة النزاع الديني السلفي التاريخي مع العلمانية، والمخرجات المتعلقة بها، والتي تبرز خلالها بوضوح قضية إقصاء الآخر فكريا ومذهبيا وعقائديا وإنسانيا، كيف أن التيار الديني بمجمله، والسلفي على وجه الخصوص، يعجز عن تقديم صورة ثقافية واقعية حديثة لذلك النزاع، ويلجأ إلى صور الماضي الديني، ليحقق من خلالها أمانيه النرجسية.

 وسوف نركز هنا على آلية الإقصاء السلفية التي تهدف في نهاية المطاف إلى الهيمنة. يرفض التيار الديني السلفي الأطر الفكرية المتعلقة ببنية الحياة الحديثة - ومنها القبول بوجهة نظر الآخر المختلف معه - ويفشل في مواجهة تحدياتها، وأي محاولة لفهمها تحمّله الرجوع إلى التاريخ، لأنه غير قادر على استيعاب تلك الأطر، بل أي محاولة للاستيعاب، هي بمثابة تنازل عن "الثوابت التاريخية"، وعن ما قاله "السلف الصالح" في غابر الزمان، وعن ما سمي بـ"المقدسات" المتصفة بتراتبية تاريخية.

العجز عن استيعاب مفاهيم الحداثة

وقد لجأ إلى الماضي، بلزوم تقيّده بنصوص سلفييه، كما لجأ إلى التاريخ الديني، بوصفه أمل الأحلام الدينية التاريخية، كل ذلك من أجل تفعيل صور الحياة التاريخية في هذه الدنيا، التي تتصف بحركة تطور سريع وتغير مثير راهنا، ومن أجل الحصول على جنات الدنيا الآخرة، في حين أن الهدف الديني الاجتماعي بالنسبة إليه هو الهيمنة على الحياة بجميع تفاصيلها وبمختلف مسائلها وفي ظل تنوع أمورها وقضاياها، بما فيها السياسية وغير السياسية، أي الهيمنة بصورة دينية تاريخية على الحاضر بالاعتماد في ذلك على نصوص السلف.

وحسب المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد فإن آلية "الاعتماد على سلطة التراث والسلف"، تعني "تحويل أقوال السلف واجتهاداتهم إلى نصوص لا تقبل النقاش"، بل أكثر من ذلك، أي "التوحيد بين تلك الأقوال وبين الدين في ذاته".

وحسب المفكر الإيراني مصطفى ملكيان فإن "السلفي" هو الذي يتبنى الأفكار والمشاعر والأفعال الموروثة الراسخة، التي يعتبرها البعض مقنعة، بل وفوق السؤال والمناقشة، وتنتقل من جيل إلى جيل عن طريق التأسي بالسلف. بمعنى أن الجماعات المنعوتة بأنها غير سلفية هي في الواقع تستند في فكرها وثقافتها إلى التأسي بالسلف، وإلى اعتبار أفكارها فوق السؤال والمناقشة، في حين أن السلفيين لا يختلفون عنهم إلا في الشخصيات السلفية التاريخية التي يرجعون إلى أقوالها وأفعالها، وفي تبنيهم لمواقف متباينة تجنح في معظم الأحيان نحو التشدد. فالاثنان ينهجان منهجا بحثيا واحدا، لكنهما يختلفان في تفسير ما صدر عن السلف، مما يجعلهما يسيران في اتجاهين أحدهما متشدد والآخر أقل تشددا.

لذلك، يعتقد أبوزيد أن الآليات التي تحكم مجمل الخطاب الديني هي واحدة، سواء عند الخطاب المعتدل أو المتشدد. ويؤكد أن تلك الآليات تتداخل مع المنطلقات الفكرية للخطاب إلى درجة التوحد بحيث يستحيل التفرقة بينهما.

لا مجال في

تبرير فشلهم

إلاّ الاختباء خلف

 التصورات

الغيبية

وما التجارب التي كان طرفها سلفي وآخر غير سلفي، كتكفير/ إقصاء/ إلغاء التيار السلفي للصوفيين والشيعة على سبيل المثال، إلا دلالة على عجز التيار السلفي عن استيعاب مفاهيم الحداثة، وفشله في قبول الرأي الآخر، ورفضه التعايش مع المختلف. بل تمثل تلك التجارب بالنسبة له تهديدات مباشرة للدين، وأنه في سبيل مواجهتها لابد من استعادة تجربة الماضي، بشخوصها ولغتها وأدواتها. وبعبارة أخرى، يجب الإستلهام من الماضي الديني لمواجهة تحديات العصر الحاضر. وهذا الإستلهام هو بمعنى، أدلجة النص التاريخي، بحيث يؤخذ من النص الإجابات التاريخية النهائية المقدسة للرد على أسئلة الحاضر المتحركة المتغيرة غير المقدسة. ومن الطبيعي أن نتوقع عدم نجاح تلك الإجابات وعدم قدرتها على الإصلاح وعجزها عن مجاراة الواقع، لأنها فاقدة للصلاحية، لأنها مكبلة غير حرة وغير مرنة ولا تستوعب التطور، بمعنى أنها لا تستطيع مسايرة حركة التغير الثقافي والاجتماعي التي يشهدها العالم.

وفي حين يصعد التيار السلفي، بأيديولوجيته التاريخية، إلى مراتب عليا من المثالية الدينية والأخلاقية والحياتية، فإن مخرجات أيديولوجيته فشلت في تأكيد صلاحيتها وفي مجاراة الواقع، بل التجربة تؤكد بأنها أيديولوجيا مضرة أخلاقيا، لأنها عاجزة، لذلك تلجأ لترويج الكذب وتدعو حسب النص الديني إلى الخيانة ولا تمانع من أي إقصاء أوقتل أوانتهاك حقوق الإنسان باسم الدين وتحت ستار المصلحة الدينية، غير مبالية أن ينعكس ذلك بالسلب على سمعة الدين أو أن يضر بالروحانية الدينية.

إلغاء السلفيين للشيعة: الفشل في قبول الرأي الآخر

وبعبارة أخرى، لا مجال لمدّعي المثالية الدينية في تبرير إخفاقاتهم وفشلهم في الحياة المعاصرة إلاّ الاختباء خلف التصورات الغيبية والتستر بالرؤى غير العقلانية بوصفهما "مخارج" تهيئ  لهم فرصة تكرار التجربة السماوية المقدسة التي في تصورهم واعتقادهم لا مجال لفشلها. أما البديل الآخر أمام التيار السلفي في مواجهة هذا الفشل، فهو السعي للسيطرة على الآخر بالقوة، من خلال الضرب على وتر احتكار فهم جميع الحقائق في الحياة، وضرب التفسيرات المغايرة لفهمه، وتهديد أصحاب ذلك الفهم وطردهم من الحياة.

يؤكد ملكيان بأنه حينما تتوقف حركة العقلانية الحرة، سيوافق الإنسان على الكثير من الآراء والنظريات، أو يعارضها من دون أي دليل أو برهان (عقلي). وهذا التأييد أو المعارضة المفتقرة للدليل، تمهد الأرضية لرذيلتين ذهنيتين: الأولى هي التعصب، والثانية هي الحكم المسبق. وحينما يسمح الإنسان لنفسه أن يؤمن بكلام من دون دليل أو برهان، يكون قد عرض نفسه لمخاطر الخرافات.

يقول ملكيان بأنه ما من إنسان تقليدي يرى مضامين تراثه الذي يؤمن به خرافات، لكن يرى أمثالها في تراث الآخرين خرافات وترهات. ويضيف: "وماذا عسى أن تكون النتائج غير هذه حينما يكون الرفض والقبول بلا أية أدلة؟".