حسن محسن رمضان

تمثل سيرة النبي محمد معرفة بديهية لأغلب مسلمي العالم اليوم، على الأقل ضمن الإطار العام لهذه السيرة وفي حوادثها المهمة. فأجزاء من السيرة النبوية يتم تداولها في المناهج الدراسية، وتدارسها ضمن حلقات الوعظ، والتأكيد عليها في الخطب الدينية. بل إن السيرة النبوية في تفاصيلها الدقيقة هي مجال للفتاوى والتشريع والاقتداء فيما يخص الدعوة والقتال والتفاعل الإنساني وبعض نواحي الطب (الطب النبوي) وغيرها من المجالات.

لا نعرف على

الحقيقة عن النبي

محمد إلا شذرات

بسيطة جداً عنه

فالقناعة الإسلامية العامة تتعامل مع نصوص السيرة النبوية من خلال ذهنية البداهة التي تجزم جزماً قاطعاً بحقيقة حوادثها وبصحة نصوصها وبالتالي تُسلِّم لسياق السيرة وتواريخها. إلا أن هذه الذهنية الإسلامية المطمئنة لنصوص السيرة النبوية قد تعرضت لهزات عنيفة بسبب الدراسات الاستشراقية وبسبب المناهج الحديثة لنقد النصوص التاريخية ودراسات علوم الألسن واللغة.

ففي هذا السياق النقدي الاستشراقي الذي ابتدأ بشكل منهجي منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، تعرضت نصوص السيرة ومعها الأحاديث المنسوبة للنبي محمد ونصوص التاريخ المبكر للإسلام وخصوصاً في القرن الأول للهجرة، ومعهم الآليات الإسلامية المرافقة مثل سلاسل السند وما يسمى بعلم الجرح والتعديل، إلى نقد منهجي منظم بحيث تكشّف معها، من وجهة النظر الاستشراقية على الأقل، بأننا لا نعرف على الحقيقة عن النبي محمد إلا شذرات بسيطة جداً عنه بحيث لا يمكننا معها تكوين أي تصور واقعي عن حياته ولا عن أحداثها ولا عن تفاصيل دعوته، دع عنك إمكانية تكوين سيرة كاملة له كالتي نقرأها اليوم في مراجع إسلامية متعددة. فكما هو الحال تماماً مع النبي موسى والمسيح عيسى، من وجهة النظر هذه، فإن التاريخ الذي ترويه التوراة (أسفار موسى الخمسة) والأناجيل سواء منها الأربعة المعترف بها من الكنيسة أو غير المعترف بها، هذه جميعها لا تروي "تاريخ" حدث بالفعل ولكنها بالمقابل تروي

"لا شيء آخر سوى إلباس أفكار دينية لبوس التاريخ، يتم تشكيلها بواسطة قوة الأساطير الإبداعية وبشكل غير واعي، ثم يتم تجسيدها من خلال شخصية تاريخية"

ديفيد شتراوس (1808-1874): "إلباس أفكار دينية لبوس التاريخ"

كما يقول أحد المستشرقين ودارسي التراث التوحيدي ديفيد شتراوس، وإن كانت عملية "أسطرة" الشخصيات التاريخية لا تتم دائماً بصورة غير واعية برأي كاتب هذه المقالة. وعلى هذا المنوال، ومن نفس وجهة النظر الاستشراقية هذه، فإن نصوص السيرة النبوية تعاني من نفس هذه القصور. هذه المقالة هي مقدمة مختصرة جداً لبعض المقدمات التي يعتمد عليها هؤلاء المستشرقين ومَن يتبنى مناهجهم بالإضافة إلى جهد منشور لكاتب هذه المقالة في كتابه (نقد نص الحديث).

تعاني السيرة النبوية كما نقرؤها اليوم من محورين خطيرين بحيث يضعا حوادثها التاريخية تحت طائلة النقد. المحور الأول هو حقيقة أن الروايات المتعلقة بحياة النبي محمد وأقواله وأفعاله تم تناقلها بصورة شفهية لأكثر من مئة سنة قبل أن يتولى محمد بن إسحاق تدوين أول سيرة للنبي، ثم لتختفي جميع نسخ هذه السيرة، وياللعجب والغرابة، ولا يتم العثور حتى هذه اللحظة على أي مخطوط كامل لسيرة ابن إسحاق. والمحور الثاني هو أن الظرف الذي تم تداول أحداث هذه السيرة فيه شفهياً من دون تدوين هو ظرف متصارع سياسياً وعقائدياً وغير محايد، ولا يمانع حتى في استخدام العنف والتصفية ضد أي تصور يخالف التصور الشعبي – السياسي لحياة النبي محمد. 

تنقسم مواضيع النقد فيما يتعلق بالمحور الأول إلى تشعبات كثيرة جداً منها ما يتعلق بطبيعة الرواية الشفهية من حيث تحولها وتغيرها وتنقيحها وتعرضها للنسيان والوهم والأهواء والتحريف والزيادة والنقصان، ومنها ما يتعلق بأوجه الشبه المثيرة للشك بين سيرة النبي محمد وسير حياة أنبياء العهد القديم، ومنها ما يتعلق بـ "حبكة الرواية" نفسها، أو مضمونها، بحيث نرى الرواية تكرر مضمون أحداث صراع ديني أو مذهبي كان دائراً قبل حياة النبي محمد بكثير، هذا بالإضافة إلى مواضيع وتشعبات أخرى أيضاً. فنحن نرى، مثلاً، أن هناك أوجه تشابه مثيرة للدهشة حقاً بين قصة حياة النبي موسى وسيرة النبي محمد. فمثلاً:

موسى, مثل محمد لاحقا, يخرج الماء: صورة زيتية للرسام فرنشسكو بكياكا (1494-1557)

1- يذهب موسى إلى جبل ليتلقى "كلمة" الله في الألواح – يذهب محمد إلى الغار في الجبل ليتلقى "رسالة" الله وليقول له الملاك "إقرأ".
2- يتعرض أتباع موسى في مصر إلى العذاب – يتعرض أتباع محمد في مكة إلى العذاب.
3- يفر موسى إلى "مدين" – يهاجر محمد إلى "المدينة".
4- يخرج موسى بأتباعه من مصر – يهاجر محمد بأتباعه من مكة.
5- القبائل الإثنى عشر لبني إسرائيل ممثلين لدى موسى – النقباء الإثني عشر للأنصار (الخزرج) ممثلين لدى محمد في العقبة.
6- يضرب موسى صخرة في الصحراء فيخرج منها الماء ليشرب بنو إسرائيل – يخرج الماء من بين يدي محمد في الصحراء ليشرب المسلمون.
7- تمطر السماء خبزاً ولحماً (المن والسلوى) لموسى بحيث لا تتوقف استمراريتهما – تكثير الطعام لمحمد من قصعة واحدة بحيث لا ينفد محتواها.
8- يُقتل فرعون وجيشه بواسطة الغرق – يُقتل ملأ قريش وبعض جيشهم في بدر.
9- يتعرض موسى لصراع داخلي من بني إسرائيل إلى درجة كفرهم وعبادتهم العجل – يتعرض محمد لصراع داخلي من المسلمين وليتم نبزهم بالمنافقين واعتبارهم يبطنون الكفر.
10- ملاك الرب يسير أمام موسى وشعبه ليُبيد الأموريين والحثيين والكنعانيين – تقاتل الملائكة إلى جانب المسلمين إلى حد أنهم يسمعون صهيل خيولهم ويسمعون أصواتهم.
11- لا يتولى تربية موسى صغيراً أبويه بسبب الخوف – لا يتولى تربية محمد صغيراً أبويه بسبب اليتم.
12- يرعى موسى الغنم – يرعى محمد الغنم.
13- يريد فرعون أن يقتل كل أطفال بني إسرائيل ومنهم الوليد موسى – يريد اليهود أن يقتلوا النبي محمد صغيراً ويحذِّر بحيرى الراهب عمه أبا طالب منهم.
14- يطارد جيش فرعون موسى عند خروجه من مصر – تطارد قريش محمد عند هجرته.
15- يختار موسى سبعين من شيوخ بني إسرائيل ليصعدوا الجبل معه للقاء الرب – يبايع النبي محمد سبعين من الأنصار عند العقبة.


هذه بعض أوجه التشابه بين القصتين، كما هي في التوراة والسيرة النبوية، مما يبدو معها، كاستنتاج أولي على الأقل، أن ناقل أخبار السيرة النبوية شفهياً قبل التدوين قد نسج بعض أحداث حياة النبي محمد على منوال ما قرأه في أسفار العهد القديم (التوراة بالتحديد)، مما يعني أن الأحداث الحقيقية لسيرة النبي محمد في أجزاء متعددة هو يجهلها لسبب أو لآخر فهو يحاول ملأ الفراغ، أو كاحتمل ثان، هو يريد ملأ الفراغ بسبب حذف متعمد في سياق هذه السيرة بواسطة الاعتماد على معرفة سابقة لحياة النبي موسى.

محمد والراهب بحيرى: نقش الرسام لوكس فان ليدن (1508)

إلا أن أوجه التشابه في السيرة النبوية لا تقف عند حد نصوص التوراة فيما يتعلق بالنبي موسى، ولكنها تخرج إلى اقتباس أساطير وقصص العرب وأيامهم ومن ثم نسبتها إلى حوادث سيرة النبي محمد. وقد أورد كاتب هذه المقالة في كتابه (نقد نص الحديث) عدة أمثلة، هذه أحدها:

يروي لنا صاحب كتاب (الأغاني) وغيره من مصادر أيام العرب عن الحروب الجاهلية التي حملت اسم "حروب الفجار". وقد سميت بالفجار لأنها كانت في الأشهر الحُرُم، وهي الشهور التي يحرم فيها القتال عند الجاهليين وبقيت كما هي في الإسلام، ففجروا فيها بقتالهم. يقول أبو الفرج الأصفهاني:

"اليوم الثاني من أيام الفجار الأول، وكان السبب في ذلك أن شباباً من قريش وبني كنانة كانوا ذوي غرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة وسيمة، وهي جالسة بسوق عكاظ في درع وهي فُضُل [الدرع هو لباس للمرأة فضفاض، وفُضُل كناية عن طول ذيل الثوب وراءها] عليها برقع لها، وقد اكتنفها شباب من العرب، وهي تحدثهم. فجاء الشباب من بني كنانة وقريش فأطافوا بها وسألوها أن تُسفر، فأبتْ. فقام أحدهم فجلس خلفها، وحَلَّ طرف ردائها وشدَّهُ إلى فوق حُجْزتها بشوكة وهي لا تعلم. فلما قامت انكشف درعها عن دبرها فضحكوا “.

كانت تلك القصة سبب معركة من معارك أيام جاهلية العرب قبل الإسلام، فإذا بنا نقرأ في سيرة النبي محمد التي حوتها سيرة ابن هشام عن سبب حرب النبي ليهود بني القينقاع:

"كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدِمَتْ بجَلَبٍ لها، فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها. فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت. فعَمَدَ الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده على ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا “.

عملية "أسطرة"

الشخصيات لا تتم

دائماً بصورة

غير واعية

بل الأمر يتعدى ذلك إلى أساطير اليمن كما رواها وهب بن منبه في كتاب (التيجان في ملوك حمير). كتاب التيجان هذا هو برواية ابن هشام، نفس الراوي الذي اختصر وحذف من سيرة ابن إسحاق قبل فقدان الرواية الأصلية، وأخرج لنا سيرة منقحة هي التي بين أيدينا الآن تحت عنوان (السيرة النبوية – لابن هشام). الاقتباس الآتي هو من كتاب (نقد نص الحديث) لـ (حسن محسن رمضان):

"عند مقارنة الكتابين، كتاب التيجان والسيرة النبوية، مع بعضهما البعض فسوف نخرج بنتيجة مثيرة للغاية، وهي أن الكتابين (الروايتين لابن هشام) يحملان تشابهاً صارخاً على أكثر من محور (...) فابن هشام ينقل لنا عن وهب الرواية التالية عن ما حدث لعابر بن شالخ: (وأن عابر رأى في منامه كأن باباً من السماء فُتح له ونزل منه مَلَك، فأخذ بيديه فأقامه قائماً، فشق صدره ونزع قلبه فشقه وغسله ثم أطبقه فعاد صحيحاً كما كان، ثم رده في صدره فعاد سوياً (

كان ذلك ما قاله وهب عن عابر بن شالخ، فإذا بنا نقرأ في السيرة بلسان النبي محمد:

"أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً، فأخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه

ثم بعد ذلك يقص علينا وهب عن عابر أيضاً:

"فرأى كأن المَلَك أتاه فأخذ بيده وأقامه على نفسه ثم قال: هات الصحيفة يا عابر. فأتى بالصحيفة عابر. فقال له المَلَك: اقرأ يا عابر. قال له عابر: ما الذي أقرأ؟"

معراج النبي محمد: من الخمسة لنظامي الكنجوي - 1539-1543

ولكن هذا الخبر هو نفس الخبر الشهير لجبريل مع النبي في بداية الوحي (فقال: اقرأ، قلتُ: ماذا أقرأ). ويخبرنا وهب أن يعرب رأى رؤيا تأمره بحفر حفرة (نقب) في (أرض برهوت في غربي الأرض)، فإذا بنا نقرأ في سيرة ابن هشام:

"بينما عبد المطلب بن هاشم نائم في الحِجر إذ أُتيَ [أي حلم أو رأى رؤيا] فأُمرَ بحفر زمزم "

ثم يحدثنا وهب عن الملك الصعب ذو القرنين بن الحارث الرائش:

"إذ رأى رؤيا كأن آتياً أتاه فأخذ بيده وسار به حتى رقي به جبلاً عظيماً منيفاً، لا يسلك فيه سائر من هول ما رأى، إذ شرف على جهنم وهي تحته تزفر وأمواجها تلتطم وفيها قوم سود تتخطفهم النيران من كل جانب. فقال له الصعب: من هؤلاء؟ قال له: الجبابرة"

وهذا هو حديث المعراج [للنبي محمد] مع ملاحظة أن "المعراج" لم يذكره القرآن أبداً، صراحة على الأقل.

ويكمل وهب رواية أساطيره فيقول:

"ثم أنه رأى في الليلة الثانية كأنه نُصب له سلم إلى السماء ورقى عليه، فلم يزل يرقى حتى بلغ إلى السماء، فسل سيفه ثم علقه مصلتاً إلى الثريا، ثم أخذ بيده اليمنى الشمس، وأخذ القمر بيده اليسرى"

وإذا تركنا الإيحاء الواضح للمعراج جانباً فإننا نقرأ في سيرة ابن هشام قول النبي محمد لعمه أبي طالب:

"والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ".


(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)