محمد عزالدين الصندوق

يرتبط الاغتراب بالشعور بالانعزال عن البيئة الاجتماعية وهذا قد يكون ناتج عن اسباب نفسية وهناك من طرح انماط مختلفه من الاغتراب كما في طرح كارل ماركس (Karl Marx) بان هناك احساس باغتراب العامل عن عمله بسبب العلاقة الرأسماليه. وربما قد يكون الاغتراب نتيجة تغيير المكان الذي يفرض وضعا جديدا وغير مالوفا وهذه الظاهرة معروفة  من خلال معاناة الانتقال وتبديل المجتمع. وهذا الاغتراب يترابط مع اختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية جزئيا اوكليا.

انه اختلاف ناتج عن الفرق الحضاري في بيئتين مختلفتين مكانيا. ويكون في الغالب هذا الفرق متناسبا مع البعد المكاني بين المجتمعين. فمثلا الثقافة الصينية مختلفة بشكل كبير وواضح عن الثقافة الانكليزية وهذا راجع للبعد الجغرافي بين الصين انكلترا في حين الفرق ليس بهذه الحدة بين الثقافة الانكليزية والفرنسية او الاسبانية نتيجة قربهما جغرافيا.  لاشك في ان البعد او الفاصل المكاني بين المجتمعين هو ما يحدد مدى البعد الثقافي بينهما. زيادة الفاصل المكاني يزيد من عمق الاغتراب الثقافي. وهذا ما نجده في صعوبة اندماج الاقليات الشرقية في المجتمعات الغربية في حين ليست هناك صعوبة كبيرة في اندماج الاقليات الاوربية في تلك المجتمعات.

الفاصل المكاني بين المجتمعين هو ما يحدد مدى البعد الثقافي بينهما

لقد اخذت التكنلوجيا المعاصرة متمثلة بوسائل الاتصالات والنقل والنشر في تقليص الفارق المكاني بين الشعوب. لذا بدأت ملامح عصر العولمة والامتزاج الحضاري بالظهور. ان التقليص التكنولوجي للمكان سريع جدا واكثر سرعة من التغيرات الاجتماعية  وهذا ما قاد الى ظهور التباينات الحضارية الحادة بين المجتمعات الغير مُؤهلة للامتزاج العالمي بعد.

لقد اعتبرت النظرية النسبية لانشتاين كُلاَ من المكان والزمان بعدين يمكن التعامل معهما على قدر المساواة ودخلت مصطلحات النسبية عالم الفلسفة والاجتماع ومجالات انسانية كثيرة اخرى. وهنا سوف نعمم فكرة الاغتراب لتجاوز الحدود المكانية الى الاغتراب الزمني. الاغتراب الزمني ليس من عالم الخيال العلمي بل هو حقيقة واقعة ولكن بحاجه الى توضيح[1]. الجد يعيش غريبا في زمن احفاده او احفاد احفاده لو كتبت له حياة طويلة. فلكل زمان افكاره وتقاليده واسلوب حياته كما هي الحال بالنسبة للمكان. السجين يعيش كذلك تجربة الاغتراب الزمني. حيث ان موقع السجن في بلده ولكن بسبب قيوده لا يتمكن من خبر تغيرات الحياة خارج سجنه وعندما يُطلق سراحه يجد ان الزمن ليس الزمن الذي عرفه قبلا.

الاغتراب الزمني

شديد الوطئة على

الفرد والمجتمع

لقد بدات ملامح الفكر الاسلامي الحالي بعد ثلاثة قرون من ظهور الاسلام تقريبا أي حوالي القرن العاشر او الحادي عشر الميلادي. ليزداد ابتعادا عن الواقع يوما بعد اخر وهكذا قاد هذا النمط الفكري الى كوارث حضارية منذ ذلك الوقت وحتى الان. اولها وأبرزها القضاء على النهضة الحضارية والعلمية الوحيدة في التاريخ الاسلامي. ميزة هذا النمط الفكري هو عزوفه عن التحديث والتطور بمعنى اخر انه وجد في زمن معين ويجب ان يبقى هكذا.  الفاصل الزمني بين ظهوره وعصرنا الحالي حوالي العشرة قرون. لم يكن هذا النمط الفكري ليعيش ازمة حضارية قبل سقوط الدولة العثمانية مطلع القرن العشرين. حيث كانت مجتمعات تلك الامبراطورية تعيش تخلفا حضاريا متوازنا والنمط الفكري الذي كان سائدا وكان يقود المجتمع وقت ذاك. المشكلة التي خلقتها الحرب العالمية الاولى هي نقلها تلك المجتمعات الى الزمن الحديث. أي تم عبور ما يقارب القرون العشرة في لحظة تاريخة نادرة الحدوث. هنا نجد سجنا زمنيا حُشرت داخله المجتمعات الاسلامية ليطلق سراحها في الحرب العالمية الاولى. بعد الحرب العالمية الاولى خرجت المجتمعات العربية الاسلامية مثقلة بماضي قاس وتراكمات هائلة من التخلف وكذلك الفكر الديني الذي كان يقودها.

نحن هنا امام انتقال زمني (تاريخي) وليس مكاني. بعد سقوط الدولة العثمانية وجد هذا الفكر نفسه امام تحديات لم يعرفها من قبل وليس له القدرة على مجابهتها. خلال هذه القرون العشرة تطور الفكر الانساني متدرجا من الفكر اللاهوتي (الديني) الى الفكر العلمي الذي اخذ يسود في القرن مع مطلع القرن التاسع عشر. أن لكل مرحلة فكرية نموذج معين من المجتمعات.  وللمرحلة العلمية نجد ان الفيلسوف الفرنسي اوكست كومت (Auguste Comte) طور ما دعاه بمثابة دين جديد (religion of humanity) للمجتمعات العلميه. ومع التطورات التطبيقية للعلوم اخذت التكنلوجيا بسيادة المشهد  الفكري والثقافي والسياسي لذا بَشرتُ في احد بحوثي بالعصر التكنولوجي الذي اخذ بالسيادة في المجتمعات المتطورة وإعتبرت التكنلوجيا المرحلة الرابعة مضافةً لمراحل كومت الثلاثة[2].  لم يدرك الفكر الاجتماعي الاسلامي هذه التطورات الفكرية في زمنها كما انه لم يكن ليمتلك القدرة على تطوير نمط فكري جديد.

بسقوط الدولة العثمانية تم عبور ما يقارب القرون العشرة في لحظة تاريخة نادرة الحدوث

ان الفكر الاسلامي فكر شمولي راكد منذ قرون لا يعرف ما هو العلم الطبيعي  ومنطقه كما لا يعرف التكنلوجيا ومنطقها انه الان يعيش اغتراب زمني هائل تمثل في الكثير من التخبطات الفكرية وعلى سبيل المثال لا الحصر التخبطات العلمية مثل الاعجاز العلمي للقرأن او اسلمة العلم أو تاسيس احزاب معاصرة لادارة او بناء مجتمعات حديثة....أن فكر القرن العاشر الميلادي يحاول ارتداء اثواب المعاصرة للقرن الحادي والعشرين من دون ان يعرف كيف يجب ارتداء هذه الاثواب ومما تصنع هذه الاثواب. انه ذاته سلوك الغريب الذي لا يعرف زمنه (موطنه الجديد).  اسلوب الترقيع والموائمة بين القديم السحيق في قدمه والمعاصر لا يمكنهما ان يجتمعا في وعاء فكري واحد. الفرق بينهما من السعة التي لا يمكن لأي وعاء ان يحتويهما. ما يزال معظم المفكرين الاسلاميين لا يميز بين الدين الاسلامي والفكر الاسلامي. لذا يتعامل مع الفكر الاسلامي على اساس كونه منظومة مغلقة لا يمكن تاخذ وتتفاعل لذا أي تحديث سيكون مشكوكا فيه وغير مقبولا[3] [4].

لقد خَلقَ الفكر الاسلامي مشكلة الركود التي ثَبتت ثوابت  فكرية وبعد عدة قرون يطمح هذا الفكر للتحديث والحركة ولكن ضمن ثوابته وقيوده التي خلقها لنفسه... يحاول البعض اعتماد الفكر الاسلامي  المعاصر كحاجة لحل اشكاليات  ومجابهة تحديات معاصرة ولكنه هو ذاته يعاني من اشكاليات عدة[5] وتخبطات هائله يصعب عليه تجاوزها. في مقابلة مع المفكر الاسلامي حيدر حب الله تجد هذا الصراع والاشكالية التي يعيشها الفكر الاسلامي المعاصر فتجده يتطرق الى مشاكل مثل: مشكلة الفتوى - مشكلة النص المقدس واساليب تحليل النص - الاغراق الفلسفي والابتعاد عن الواقع- مشكلة المذهبيه - ازمة المنهج ...وكل مشكلة من هذه اكبر من ان تحل بجهود جيش من هؤلاء المفكرين.

أن فكر القرن

العاشر الميلادي

يحاول ارتداء

اثواب المعاصرة

للقرن الحادي

والعشرين

على اية حال, قد لا تكون المجتمعات الاسلامية وحيدة في اغترابها الزمني, هناك مجتمع اخر يعاني الاغتراب عن عالمه انه مجتمعات الاميش (Amish). الاميش [6] مجموعة مسيحية مغلقه لا تؤمن بالتطور الحضاري. لذا انعزلت عن الحياة الاوربية وبعد اكتشاف امريكا قرروا الهجرة في القرن الثامن عشر للتخلص من مضايقات الحضارة التي كانت تتعارض ومعتقداتهم ومن الاضطهاد الديني. لقد اختارت هذه المجموعة الانعزال الحضاري واحتفظت بسلوكها المسالم رغم الاضطهاد والمضايقات. اهم ما يميزهم هو رفض الغطرسة والعنجهية والتكبر  ومن قيمهم العليا التواضع والهدوء ورباطة الجأش والتسامح. انهم يقدرون الحياة الجماعية ويرون في التكنولوجيا امكانيه في تعزيز الغرور الفردي وابعاد الفرد عن مجتمعه. الاميش الان رغم انعزالهم ومحافظتهم فانهم يستخدمون العربات ولكن ليست ذاتها العربات القديمة وازيائهم التقليدية اخذت بعض ملامح التحديث ولهم مواقع على الانترنيت...هذه المجموعة لا تبشر ولا تفرض معتقداتها على الاخرين. لقد اختارت الانعزال الحضاري في معقل التحديث الحضاري (اوربا). لا يشكل الاميش كثافة سكانية عالية حيث يتراوح عددهم قرابة الربع مليون نسمة ويعيش معظمهم في الولايات المتحدة الامريكيه. وبسبب انعزالهم وتزاوجهم المحدود (يشكلون مجتمعات مغلقه وراثيا) فيما بينهم فانهم يعانون من اضطرابات وراثية تنتقل من جيل لاخر مثل التقزم ... الاميش قبلوا الاغتراب الزمني وهم فرحين به وكيَفوا عالمهم البسيط له. ولم يطمحوا للبحث عن فكر بديل معاصر.

لاشك في ان اغتراب الاميش الزمني مختلف كليا عن الاغتراب الزمني للمجتمعات العربية الاسلامية. ابتعد الاميش عن العلم والتكنلوجيا رغبة في رفعة القيمة الاجتماعية للانسان والسعي لخلق انسان مُسَالم متسامح وهذا ما يعتقدون به. أما الاغتراب العربي الاسلامي فكان سببه الاساسي تغييب الفكر والحد من امكانياته. لقد تم فرض هذا النمط الفكري من الجهل المقدس ببحور من الدم والعنف المقدس وهذا ما قاد الى انتكاسات مرعبة.

الاميش قبلوا الاغتراب الزمني وهم فرحين به وكيَفوا عالمهم البسيط له

بحكم السيطرة الزمنيه المطلقة لهذا النمط الفكري على المجتمعات العربية والاسلامية  خلال تلك القرون فانه تغلغل في مفاصل وخلايا البناء الاجتماعي حتى اصبحت تلك المجتمعات لا تستطيع حركا وانفكاكا. لذا فان هذه المجتمعات ما تزال وبعد قرابة القرن على سقوط الدولة العثمانية غير قادرة على ان تجد طريقا عقلانا ضمن النمط الفكري الاسلامي. وسوف لن تتمكن من ذلك لان الفكر الاسلامي كان قد قاد الى النهضة الحضارية الاولى والوحيدة وكان مؤهلا له ان ينمو ويتبلور وليتطور بالتدرج الزمني الطبيعي ولكنه وئِد قبل ان يشب. لذا وبحكم التطور الزمني فان نمطا من هذا النوع سوف لن يكتب له الصمود في حالة ظهوره.

الاغتراب الزمني للمجتمعات العربية والاسلامية شديد الوطئة على الفرد والمجتمع. ان هذه المجتمعات التي عُرفت السكون والخمول الحضاري لقرون عدة تواجه الان عالم سريع التطور صغير الحجم تكاد ان تلغى الفواصل فيه. عالم لا تملك فيه هذه المجتمعات اية قوة سوى استذكار التاريخ والعيش على احلام الماضي الغير الدقيق. لقد فقدت هذه المجتمعات فرصة البناء الذاتي منذ ان تخلت عن حريتها الفكرية قبل عشرة قرون وهي الان تجرجر اذيل الضعف من دون ان تعرف سبب نكستها لان الفكر الحر والنقدي ما زال مغيبا.

وكما ان الاغتراب المكاني يزداد حدة كلما زادت المسافات فان الاغتراب الزمني يزداد حدة كلما طال الزمن. ولمسافة زمنية  قدرها قرون عشر لا يمكن ان نتصور عمق الازمة الاغترابية. لاشك في انها شديدة الحدة والقسوة على المغترب الزمني وعلى من يعاشره من الزمن المعاصر. أن معظم المشاكل الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات العربية والاسلامية ناتجة عن هذا الفرق الزمني الهائل ما بين الموروث الخامل المكبل للحرية والفكر وما بين ديناميكية الحياة المعاصرة متمثلة بالحرية وسرعة التغير والانفتاح.

لا يمكن ان

نتصور عمق

الازمة الاغترابية

الركود الزمني للكيانات الحية يقود الى موتها وتفسخها وكذلك الفكر الانساني انه بحاجة الى التحديث والمراجعة. الركود والانغلاق الفكري يقود الى التفسخ والانهيار الفكري وهذا ما يبدو جليا في الفكر الاسلامي المعاصر. حيث اخذت حدود المُثل بالتلاشي لتحل محلها المكيافيلية بكل ما تقود له من انهيار خلقي ومعنوي وليس ادل على ذلك من فتاوى متناقضة تتراوح بين انتهاك صارخ للانسانية وليس مجرد حقوق الانسان ولا تقف عند الدعارة المُشرعنة. كما يحاول هذا الفكر تحويل الانسان الى اداة طيعة لا عقل لها فهي تسأل دائما عن ابسط امور حياتها لان هناك من هو عارف بمطالب الذات الالاهية ودارياً باسرارها ويتم تحويل دور العبادة الى سفارات إلاهية يُديرها من يمثل الذات الالهية على الارض. خلق هذا الفكر الراكد تناقضا سلوكيا حادا بين الفكر والممارسة وتم تقبل هذا التناقض اجتماعيا.... المؤسسات الفكرية الاسلامية المعاصرة الان فقدت بوصلة الطريق الممهد  للسماء وساهمت في جعل عباد الله عبيدا لمن يملك القوة على الارض.

ان الفكر المغترب زمنيا بنقيضيه سواءً كان متشددا ارهابيا او كان وديعا مُسالماً لا يملكان قدرة الموائمة مع العصر ولا يمكنهما البناء وتجاوز حفرة الزمن. الغريب لا يعرف خارطة الطريق.



[1] الصندوق, محمد عزالدين,البعد الرابع وتصادم الحضارات. كيف نخلص المستقبل من الماضي؟  جريدة الزمان العدد 1735.

[2] Mohammed Sanduk, Is Technology a New Way of Thinking?, The Journal of Technology Studies, Volume XXXVIII, Number 2,  2012

[3] البهي, محمد, الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي, مكتبة وهبه - القاهرة, 1395 ه.

[4] سلطان ,جمال,  جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث, مركز الدراسات الإسلامية - برمنجهام, بريطانيا, 1991.

[5] حب الله, حيدر, معوقات التجديد والنهضة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر, مركز افاق للدراسات والبحوث. http://aafaqcenter.com/index.php/post/1493

[6] John Hostetler, Amish Society, JHU Press, 1993