محمد عزالدين الصندوق

واحدة من المدارس الفلسفية التي اهتمت بدراسة المجتمع البشري وتطوره هي مدرسة الفيلسوف الفرنسي اوكست كومت ([Auguste Comte [1798-1857). قَسم كومت تطور الفكر الانساني الى ثلاثة مراحل متعاقبة. تبدء بالمرحلة الاهوتيه  والميتافيزيقية واخيرا المرحلة العلمية. ولكل مرحلة من هذه المراحل الفكرية مرحلة اجتماعية مصاحبة لها.

على ذلك تكون مراحل تطور المجتمع ثلاث كذلك هي المرحلة العسكرية (القتاليه) والمرحلة القانونية واخيرا المرحلة الصناعية. المسطرة الكومتيه هذه ليست حدية وتختلف باختلاف المجتمعات الا ان مراحلها التطوريه هي ذاتها لكل المجتمعات البشرية.

اوكست كومت: كان "قانون المراحل الثلاث" واحدة من النظريات الأولى للتطور الاجتماعي

بدء المجتمع البشري بادراك الطبيعة وتفسيرها من خلال قوى خارقة وقصص عن تشخيصات بشرية لتلك القوى تتلاعب بالطبيعة والبشر وهكذا تكونت بوادر الاعتقاد الديني الذي تطور فيما بعد الى عبادة الاه واحد او عدة الاله. هذه المجتمعات كانت بسيطة تتميز بالروح القالية في المواجهة. تلت المرحلة تلك المرحلة الميتافيزيقية حيث تحولت القوى الخارقة المشخصة الى قوى مبهمة مجردة واخذ المنطق العقلي فيها بالظهور بوضوح وتمتت خلالها ظهور الحجج والمنطق في التفسير وتميز مجتمع هذه الفترة بظهور التشريع القانوني ورسم الحدود على اسس منطقية عقلية. واخر مراحل كونت هي المرحلة العلمية والتي عرف الانسان فيها اسلوب الاستنتاج المنطقي والاثبات التجريبي حيث لم يعد التفكير المنطقي وحده كافيا. في هذه المرحلة تطور المجتمع ليصبح صناعيا قادرا على استثمار الاكتشاف العلمي.

هذه ببساطة مراحل كومت الثلاثة والتي تربط التطور الفكري بالتطور الاجتماعي. لقد سبق لي وان طورتها الى اربعة مراحل منذ عام 2003 لتشكل التكنولوجيا المرحلة الرابعة والتي تترافق مع مجتمع العولمة التي نعيش بواكيرها. بالتاكيد نموذج كومت بني على اساس التطور الغربي الذي عاشه  لذا ادخل المرحلة العلمية كمرحلة ثالثة. ولو عدنا لموضوعنا المجتمع العربي الاسلامي لوجدنا ان هذا المجتمع كان قبل ظهور الاسلام مجتمعا قبليا محاربا متعدد الالهة شفاهي الثقافة وهذه المواصفات كلها تتطابق مع المرحلة الاولى لمقياس كومت. بعد ظهور الاسلام وتكون الدولة العربية-الاسلامية  اخذ النمط الفكري والاجتماعي بالتطور باتجاه التكوين الحضري ونشوء الحواضر العربية في بغداد والقاهرة والاندلس.

لم يكن لاحد

ان يدرك

عمق الماساة

ومن الطبيعي ان يتجه نمط التطور الفكري باتجاه الاستخدام الاكبر للمنطق العقلي كما في المرحلة الميتافيزيقية. وهذا ما كان واخذت بالظهور حركات فكرية منطقية مختلفة مصاحبة للمرحلة التاريخية تلك.  لقد ظهر التعامل الفكري مع النص المقدس كضرورة تطورية  وكمرحلة من مراحل التطور الفكري للمجتمع. بمعنى اخر انه ليس ترفا فكريا او ابتعادا عن المالوف. وقد صاحب هذا التطور الفكري نهضة علمية متزنه مع عصرها سارت مترابطة مع الفترة الزمنيه للتطور باتجاه المنطق العقلي. لقد كانت المجتمعات العربية والاسلامية مهيئة لتعيش تطورها وبالسياق الطبيعي.

الا ان الحال لم يستمر بتطوره الطبيعي حيث حدثت انتكاسات فكرية في حوالى القرن العاشر الميلادي ادت الى اجهاض التطور الفكري الطبيعي ليتوقف فيها ويستمر بتوقفه حتى وقتنا الحاضر وهذا ما قاد الى توقف النمو الفكري الاجتماعي ومن ثم التطور الاجتماعي ذاته. لقد كانت هناك فرصه طبيعية للتطور الفكري والحضاري ليقود الى الفكر العلمي. لقد قدم علماء الحضارة العربية الاسلامية وقت ذاك بوادر اولية للفكر العلمي الذي تم خنقها لتنتقل بذورها فيما بعد الى الغرب.  لقد سار التطور الفكري والحضاري في الغرب باتجاهه الطبيعي ليقود الى المرحلة الفكرية العلمية ( الوضعية المنطقية) والتي قادت الى تعزيز وبناء الصروح العلمية لكافة جوانب الحياة.

رحيل آخر الخلفاء وإنتهاء آخر مرحلة من مراحل الانغلاق

بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة العثمانية انتهت اخر مرحلة من مراحل الانغلاق الفكري والتراجع الحضاري العربي والاسلامي. ولكن هذا ما جعل هذه الشعوب في مهب الريح حيث انها لم تكن قد تهيئت للعيش والتعامل مع معطيات القرن العشرين لا العلمية منها ولا الاجتماعية ولا السياسية. عندما دخلت هذه المجتمعات القرن العشرين كانت الحضارة الانسانية قد خطت خطوات كبيرة جدا في كافة جوانب الحياة المختلفة. لقد تطور الانجاز العلمي والموسسة العلمية وتطور الفكر السياسي  والمؤسسة السياسية وباتجاهات مختلفه وتطور الوعي الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية  وحسب طبيعة المجتمع. لم يكن لاحد ان يدرك عمق الماساة التي عاشتها هذه المجتمعات منغلقة عن العالم لقرون حبيسة في سجن الزمن. كان الفكر الاسلامي البديل بعد الانهيار الفكري في القرن العاشر فكر مؤدلج قاس يقيد الفكر ويمنع تجاوز خطوط حمراء رسمها المفكرون الاسلاميون وليست من الدين بشيء لقد ظهرت هذه الخطوط الحمراء بعد الدعوة الاسلامية بقرون.

ان اعادة تاهيل

مجتمعات اصعب

كثيرا من بناء

مجتمعات

المجتمعات العربية والاسلامية الحالية هي ابعد ما تكون عن المرحلة الفكرية العلمية او الصناعية الاجتماعية. انها ما تزال تتخبط بين الفكر الاهوتي والميتافيزيقي على مقياس كومت. هذا لا يعني عدم وجود نخب هنا وهناك الا ان الفكر الاجتماعي السائد والذي يحرك هذه المجتمعات هو ذاته الذي تكون خلال فترة الانقطاع الحضاري.

حاولت هذه المجتمعات جاهِدةًَ بعد الحرب العالمية الاولى التغلب على الفجوة الزمنية التي عاشتها الا ان عمق الفجوة  وسعتها الزمنية يجعل من المستحيل تجاوزها بسنيين ولا بعشرات السنين وبامكانيات ابسط ومن دون تخطيط مُدرك للوضع الصعب.  ان اعادة تاهيل مجتمعات اصعب كثيرا من بناء مجتمعات. أن خطط التنمية تكون مثمرة في المجتمعات البدائية  لكونها لا تعاني اساسا من اعاقه زمنه ويكون البناء على ارض بكر اما في مجتمعات تعاني من تراجعات حضارية فالعملية غاية في الصعوبة.

اثبتت التطورات الاجتماعية والسياسية في المنطقة ان  اية محاولة بناء معاصرة تتعرض للهدم وفي احسن الاحوال للتشويه اوللتاخر والعرقلة اضافة للانكسارات السياسية والهزائم العسكرية. وهذا طبيعي نتيجة الفرق الحضاري الكبير والتراجع في كل شيء وعدم قدرة البنية الاجتماعية على تقبل التحديث بسهولة. أن ملامح النهضة الاجتماعية العربية والاسلامية لا ترتكز على بنى اجتماعية مؤهلة لتحمل ثقلها لذا فان كل ما يُبنى لا يعدو عن كونه مكياج حضاري سطحي قلق.

في الوقت الذي تسير المجتمعات المتطورة باتجاه التكنلوجيا وعلم العولمة  متجاوزة المرحلة العلمية فان المجتمعات العربية والاسلامية لم تغادر بعد المرحلة الثانية.