محمد عزالدين الصندوق

على هذا نقول ان الفكر المسيحي لا يعارض الفكر العلمي كمنطق ولكنه لا يقبل الانجاز العلمي الذي يتعارض والنص المقدس. لذا وجدنا الكثير من رجال الدين المسيحين ممن عملوا ويعملون في مجال البحث العلمي. ومنهم من يحاول استخدام البحث العلمي لاثبات حقائق ايمانية وردت في الكتاب المقدس.

وكذلك هي الحال مع الفكر اليهودي انه لا يتعارض مع العلم كمنطق ولكن يقف امام اية حقيقة علمية تتعارض مع الحقائق التوراتيه. لذا فانه ليس هناك حاجز فكري يعيق التوجه الاجتماعي نحو العلم لذا ظهر وما زال يظهر الكثير والكثير ممن يصعب حصرهم من العلماء اليهود من امثال سجمنود فرويد (Sigmund Freud) والبرت انينشتاين (Albert Einstein) والكثير منهم ممن حصل على جائزة نوبل واخرهم داني شختمان (Dan Shechtman) الذي حصل على جائزة نوبل للكيمياء عام 2011.... هذا الكم الهائل من العلماء اليهود سببه هو عدم وجود حاجز فكري ما بين المجتمع والمنطق العلمي.  في كتابه الموسوم "اليهودية والعلم" يعتقد ان الفكر اليهودي اقل تاثرا بالعقائد المغلقة المتشددة  منه الى الانضباطية التقليدية... وبسبب تركيبتهم المُعدلة فانهم ابتعدوا عن التسلُطية والانفتاح ما بعد الحداثة.[1]

The Jewish mind, it would seem from a survey of Jewish thought is less susceptible to dogma, to rigid conventional discipline then let us to say, was the Greek mind…the Jews, possibly because of their constitutional make up steered clear of the Scylla of absolutism and the Charybdis of nihilism ...

سجمنود فرويد: لم تكن امامه حواجز فكرية

أما بالنسبة للفكر الاسلامي الذي حارب العقل وقضى على النهضة العلمية وما زال سائدا فانه يقف موقفا عدائيا من العقل والفكر العلمي وليس مع الانجاز العلمي فقط كما هي الحال بالنسبة للمسيحية واليهودية. فالفكر الاسلامي يرفض النتيجه واسلوب الوصول لها. لان اسلوب الوصول يعتمد فيما يعتمد على المنطق العقلي. ولهذا تم تكفير علماء النهضة وتحقيرهم رغم ان نتائج عملهم العلمي لم تكن لتتعارض وما جاء في القران.

ان نقد الكنيسة الذاتي لمواقفها القديمة من العلماء واعادة الاعتبار لهم وعمل رجال الدين في النشاط العلمي كلها حالات غير مالوفة في الفكر الاسلامي ولم يقدم لنا التاريخ الاسلامي (ولا محاولات التبني المعاصر للعلوم) اية شخصية دينية امتهنت او اهتمت بالعلم الطبيعي. ولكن نجد على العكس ومنذ القرن الماضي بان هناك من المتخصصين العلميين من ترك العلم ليتوجه للفكر الديني. كما نجد اصرارا على تكفير علماء النهضة دون رد اعتبار. ان الفكر الذي رفض المنطق العقلي (الذي قاد الى نشوء الفكر العلمي فيما بعد) اساسا منذ القرن الحادي عشر وحتى الان لا يمكنه التوائم مع العلم الذي يعتمد التفكير المنطقي كواحدا من اسسه التي لا يمكن التخلي عنها. أن محاربة العلم والعلماء انما هي نتيجة حتمية لعدم قبول الفكر النقدي المتسائل. وما يزال الثقيف الديني يؤكد على ان لا علم سوى العلوم الشرعية ولا علماء سوى علماء الدين.

أن تكفير العلماء ومحاربة تاريخهم من خلال المؤسسة الفكرية الاسلامية او السكوت والتغاضي عن التكفيرات القديمة التي ما تزال فاعلة يعني ابعاد المجتمع عن نشاط تم تشويهه وهذا ما كان.  أن موقف الفكر الاسلامي الذي ظهر منذ القرن الحادي عشر كان وراء عدم ظهور نهضة علمية وفكرية ثانية وعدم وجود علماء دين يعملون في مجال العلوم. هل ستتمكن مؤسسة دينية اسلامية من امتلاك جرءة البابا جون بول الثاني لتنقد وترد تكفير وتحقير علماء النهضة الاسلامية ورد الاعتبار الديني لهم؟

الفكر الاسلامي

يرفض النتيجة

واسلوب الوصول

لها

ان اشكالية الفكر الاسلامي مع العلم مختلفة عن اشكالية الفكر المسيحي واليهودي مع العلم. الاختلاف الفكري الاسلامي متجذر وفكري وحاد ويتعارض مع المنطق العلمي جملة وتفصيلا. الفكر العلمي اساسا ذي قاعدة منطقية عقلية وتجريبية. في حين الفكر الاسلامي لا يقر بالمنطق العقلي اساسا وهو بذلك يرفض اهم اسس المعرفة العلمية. وقاد التراكم التاريخي الى خلق حاجز هائل ما بين العقل والحياة وهذا ما قاد الى ما يدعوه المفكر محمد اراكون بالجهل المقدس.[2] أن تكفير علماء النهضة لم يكن نتيجة اكتشاف تعارض مع نص مقدس كما هي الحال في الفكر المسيحي وانما نتيجة منطق فكري اعتمده علماء النهضة ولا يتفق معهم هولاء المفكرون التكفيريون. ونتيجة ذلك فان كل الناتج الفكري الذي انتجته النهضة لا قيمة له ومُحرم ومُنتجوه خارجون عن الاسلام.[3]

أن خطورة هذا الموقف تمثلت في رسم خطوط حمراء للفكر المسلم  يستحيل تجاوزها وما تزال فاعلة.المؤسسات العلمية الحديثة التي تم استجلابها من الغرب كمؤسسات ونظم عمل منذ القرن العشرين لغرض التحديث لا تملك أي جذور فكرية او اجتماعية لها في بيئتها الجديدة وهذا ما يفسر عدم قدرتها على النمو والمنافسة حتى مع مثيلاتها في العمر وربما الاحدث منها في كل من الصين واليابان وسنغافوره...العلم يعيش يتيما وغريبا في بيئته الاسلامية التي تحاول تبنيه من دون درايه اجتماعية به. التعامل مع العلم باعتباره ديكورا من ديكورات الحداثة لا تاثير اجتماعي له كما انه ليس بذي قيمة اصلاحية. ان الموائمة مع الفكر العلمي يجب ان تبنى اولا على الموائمة مع العقل واحترام قواعده وخلق تقبل واحترام اجتماعي للعمل العلمي. ولاشك في ان  فكرا لا يحترم العقل ويعتمد النقل في طروحاته لا يمكنه التعامل مع العلم اطلاقا.

الطهطاوي ومفكري النهضة: "لا قيمة لهم وخارجون عن الاسلام"

يتناول الفكر الفلسفي الحقيقة من خلال المعرفة (Epistemology) وطريق المعرفة العلمية طريق واضح وقائم عدى حالات معينة افرزتها المعطيات العلمية المعاصرة والتي تثير الكثير من التسائلات. أن قواعد التفكير العلمي لا يمكن موائمتها مطلقا مع النمط الفكري الذي حل بعد القرن الحادي عشر والذي ما زال سائدا حتى يومنا هذا. انهما نمطان متعارضان.

عرفت فلسفة العلوم محاولات عدة لرسم حدود للفكر العلمي وهذا ما يسمى بمشكلة الحدود (Demarcation problem) والتي هي الحدود بين العلم وغير العلم اوبين العلم والفلسفة اوبين العلم والدين او بين العلم والعلوم الكاذبه (Pseudoscience). ألا ان كل هذه المحاولات والتي ما زال البعض منها مستمرا بحوراه لا تعدوا عن كونها نقاشات فلسفية عميقة بين فلاسفة العلوم.[4] هذه محاولات فصل بين انماط فكرية مختلفة ولم تكن هناك محاولة ادلجة للفكر العلمي لصياغته في قالب اخر من اجل موائمته مع نمط مضاد. ان عملية مثل هذه متناقضة فكريا.

العلم يعيش يتيما

وغريبا في بيئته

الاسلامية

ينمو العلم ويتطورعلى اساس حرية التسائل والشك وحرية الافتراض وحرية الاثبات للوصول الى نتيجة متوقعة او غير متوقعة ولكن يجب ان تكون مستقلة عن رغبة الباحث وايمانه. ان هذا الشك هو شك منهجي (Methodical doubt) هدفه الوصول الى الحقيقة العلمية الموضوعية وليس للاصرار على تاكيد نتيجة مرغوب بها خارج سياق البحث العلمي. وهذا ما وجدناه في خطاب البابا جون بول الثاني المذكور اعلاه وتاكيده على ان نتائج العمل العلمي (بخصوص نظرية التطور) كانت غير ملفقة وحيادية.  أن مشكلة تعارض نتيجة البحث العلمي مع الحقائق المقدسة ليست من الخطورة بمكان وهناك كما ذكرنا محاولات توفيقية كثيرة. ومشكلة كهذه لا يمكنها ان تُوقف المسيرة الاجتماعية للعلم والتي تُعتبر المجتمعات الاسلامية بامس الحاجة لها. اما مشكلة عدم قبول المنطق العلمي ومحاولة اعادة تركيبه حسب وجهة نظر دينية فانها مسالة في غاية الخطورة لانها تعتمد الاصرار على الغاء المنطق العقلي الذي قاد وما زال يقود الى تخلف وتراجع اجتماعي كبير.



[1] Noah J. Efron, Judaism and science: a historical introduction, Greenwood Publishing Group, 2007.

[2] محمد اراكون, تاريخ مقارن للاديان التوحيدية, ترجمة هاشم صالح, دار الساقي 2011 .

[3] فتاوى شيخ الإسلام: 35/135،  درء التعارض: 2/281، الحاديات في مذكراته - في تاريخ الفلاسفة ص 270 ومجموع الفتاوى: 9/214 – 215. الرد على المنطقيين ص141.

[4] Cover, J.A., Curd, Martin (Eds, 1998) Philosophy of Science: The Central Issues, 1-82 .