محمد عزالدين الصندوق

لم يقف العلم المعاصر عند هذا المنطق ليشمل مؤسسات البحوث التي تعمل جميعا بمنطق فكري موحد (وتحت غطاء الموضوعية) ومن ثم طريقة  تقييم وقبول وعرض الانتاج العلمي. العلم المعاصر يعتمد منظومة (Paradigm) معقدة تبدء بالفكر العلمي ولا تنتهي بطريقة واسلوب النشر العلمي [1]. منظومة العلم المعاصر منظومة فكرية متمثلة بالفكر العلمي والمنظوماته البحثية والمهنية التي تمثل الجانب الاجتماعي وبالتالي موئسسات النشر والتقييم العلمي.

كل تلك المنظمات تعمل بنمط معين يكفل الترابط والسلاسة والاتقان. لقد تم بناء وتطور منظومة العلم هذه خلال قرون وبجهود عالمية مشتركة وليس هناك ادعاء اوفضل فئوي لاْي  جنس اوقومية في بناء هذه المنظومة التي يتمثل فيها الابداع الفكري الانساني. لوكان بالامكان ادلجة العلم لما توانى عن ذلك الاخرون! أن منظومة العلم الحالية ليست كما كان الامر في الماضي حيث يصف الاقدمون العلوم اوالفلسفة بانها يونانية اوهندية اوفارسية. لا وجود الان لما يسمى بالعلوم الغربيه الا في اذهان من يعيشون في الماضي. العلم كمنظومة بشرية هو فوق العرق والجنس والدين. والعلم في ذلك يختلف عن التكنولوجيا التي تحاول استثمار الانجاز العلمي في صالح المجتمع لتنتج ما تحتاج المجتمعات وهنا يكون الاختلاف واضحا. كما يختلف العلم عن الفن الذي يعكس ثقافة المجتمع .

العلم كمنظومة

بشرية هو فوق

العرق والجنس

والدين

بعد هذا هل يمكن التسائل عن امكانية اسلمة المنطق العلمي؟  اواسلمة الرياضيات؟ فالرياضيات والعلم كلاهما منطقان مُحكمان.  قد يمكن القول باسلمة النظام الضريبي اواسلمة الاقتصاد فهذه حالها حال التكنولوجيا ذات جوانب تطبيقية. وكما تنتج الصين للمسلمون تكنولوجيا تُقدم خدمات اسلامية مثل ساعات الاذان اوصنابير مياه مخصصة للوضوء اوساعات بتوقيت محلي. ولكن هل يمكن القول باسلمة الفيزياء والكيمياء؟

الأب غريغور مندل: راهب ومؤسس علم الوراثة - من نتائج فصل الدين عن الدولة

مشكلة المعرفة في الفكر الديني انها لا تريد تعارضا ما بين الايمان (الاعتقاد) والمعرفة العلمية للواقع. وهذه الاشكالية ليست اسلامية فقط بل تشاركها فيها الديانات السماوية الثلاث. الا ان الفصل ما بين الكنيسة والدولة قاد الى حرية العمل العلمي [2]  ومن ثم الازدهار العلمي في الغرب. المعرفة العلمية تبدء من الجهل اوالشك وثم محاولة الوصول الى المعرفة اواليقين بالافتراض والتجريب ولكن المشكلة تنشأ عندما تكون نتائج البحث غير متفقة مع التصور المقدس.  وهذا ما كان مع نظرية دارون ورغم ان دارون كان متدينا الا ان نتائج بحثه قادته للتخلي عن التفسير المقدس للخلق. أن الكنيسة حاليا لا تتفق مع بعض الطروحات العلمية ولكن للكنيسة عالمها والمجتمع العلمي عالمه.

الكثير من المفكرين الاسلاميين يعترضون على الشك بالنص المقدس حتى لوكان من اجل الهدف المعرفي ولكن القران الكريم تناول قصة ايمان النبي ابراهيم من خلال شكه ومن ثم قيامه بتجارب مادية للوصول الى الحقيقه الميتافيزيقية.  قد يكون الشك مقبولا لوجاءت نتيجة البحث مطابقة للنص المقدس. الكثير من المفكرين الاسلاميين حاولوا ويحاولون طرح نظرية معرفة تتوائم والفكر الاسلامي وهم بذلك لا يختلفون في شيء عن باقي المفكرين والفلاسفة. ان النظم المعرفية التي يعمل بها المخ البشري واحدة للجنس البشري رغم اخلاف نظريات المفكرين والعلماء في تفسير عملية المعرفة.

لا يوجد الا منطق

علمي واحد وهو

الذي يوحد الجنس

البشري

لذلك فالحقيقة العلمية التي يتوصل لها عالم امريكي يمكن ان يتوصل كذلك عالم روسي. وهناك الكثير من الامثلة على ذلك. فالحقيقة العلمية واحدة. نعم قد تُطرح هنا وهناك نظريات مختلفة في المعرفة ولكن لا يوجد الا منطق علمي واحد وهوالذي يوحد الجنس البشري وتجده في مؤسسات البحث رابطا علماء من اجناس وعقائد وقوميات مختلفة. هذا المنطق الذي تتقبله الاجناس البشرية على اختلافها يحاول البعض الاسلاميين المحدثين تغيره وكأن المسلمون جنس بشري بتركيب عقلي مختلف  يحتاج الى منطق مختلف.  العلم لا يمكن إلا ان يكون عالميا وليس فئويا. علما بهذه المواصفات لا يمكن اعتباره الا ناتجا محليا يتفق والموروث الاجتماعي والحضاري لمجتمع معين. وبذلك تنتفي عن العلم موضوعيته وشموليته. وتكون الحقيقة (العلمية) في القاهرة ليس كذلك في بغداد اولندن. وذلك لاختلاف المنطلقات الفكرية التي تم بموجبها ادلجة العلم.

محمد عبد السلام: العلم 'كوني وعالمي وليس اسلاميا'

على هذا اكد عالم الفيزياء محمد عبد السلام الحاصل على جائزة نوبل في كتاب احتوى مقالاته بخصوص الفكر العلمي [3] حيث اعتبر العلم كونيا وعالميا وليس اسلاميا.  واكد على عدم وجود اية في القرأن تصف ظاهرة طبيعية وتتعارض مع ما نعرفه على وجه اليقين من اكتشافاتنا في العلم. وبالرغم من انه لمح لوجود جذور العلم في القرأن الا انه  اكد على فصل الايمان عن المنطق العقلي.

أما عن الايمان فأنه قال بان الايمان هوالرسالة الروحية الخالدة للاسلام ولا يهم ان تكون العلوم صامتة. ولازدهار العلوم فانه لابد وان تكون هناك حرية التسائل والادارة العلمية المستقلة والموارد المالية وليس الانغلاق الديني. أن عدم حرية التسائل هذه هي التي قادت الى الاختناق الفكري والفلسفي منذ القرن الثاني عشر وحتى وقتنا الحاضر.

وفي نفس الاطار كان طرح العالم  النووي الباكستاني برفيز هودبهوي (P. Hoodbhoy) وذلك في كتابه الموسوم "الاسلام والعلم" والذي قدمه العالم محمد عبد السلام [4]. واكد هودبهوي هوالاخر على القول بعدم التعارض ما بين العلم والدين والتكامل ما بينهما الا انه اكد على وجوب الفصل بين ما هوروحي وما هودنيوي. واعتبر العلم عالميا وليس غربيا. وانتقد بشدة اسلمة العلم وطروحات سيد حسين نصر.

على اية حال قد تكون هناك جوانب فقهيه بحث عنها ووجدها هولاء المفكرين الاسلاميين اواخرين غيرهم تجعل من مهمة الاسلمة مهمة شرعية وسلسة من وجهة نظر فكر الاسلامي معين ولكن هل يستطيع العلم ان يعمل بمنطق غير منطقه؟

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

  1. T.Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions. 3rd ed. Chicago, IL: University of Chicago Press, Change in rules on pages 40, 41, 52, 175, 1996
  2. M. I. Sanduk, Growth of science under the influence in Arabic-Islamic and Western Civilisations, 700-1900 (Statistical Models)
  3. C. H. Lai (Editor), Ideals and Realities: Selected Essays of Abdus Salam, World Scientific Pub Co Inc; 2 edition,1987
  4. P. Hoodbhoy, Islam and Science: Religious Orthodoxy and the Battle for Rationality, Zed Books Ltd., London and New Jersey, 1991