إقبال الغربي

لا يختلف اليوم اثنان على القول بسيادة الظاهرة الإسلامية وهيمنتها على المشهد السياسي. في مختلف البلدان العربية الإسلامية وإن بقدر من التفاوت والتباين، وقد طرح نموهذه الظاهرة وانتشارها اثر الربيع العربي فيضا من الأسئلة والتساؤلات وجملة من الإشكاليات والتحديات. ومن هذه المفارقات بروز شرطة دينية وهيئة تونسية تدعي للمعروف وتنهى عن المنكر.في مهد الثورات العربية التي نادت بقيم الحرية والديمقراطية.

وإن اعتبر البعض أن بروز هيئة تفتيشية في بلد الحداثة البورقيبية وفي موطن مجلة الأحوال الشخصية التقدمية من غرائب الدهر وعجائبه، فإننا نعتبر أن خمسون عام من تكميم الأفواه  وتفقير العقول والتجرؤ على الحريات الفردية والتجسس على الخصوصيات وتهميش المجتمع المدني وتقويض أسس المواطنة يمكنه إنتاج مشهدا مماثلا تراوح فيه المأساة الملهاة!

 الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر

فما هي الجذور التاريخية لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأين تكمن مفارقاتها؟ ظهرت مؤسسة الحسبة منذ ولادة الدولة الإسلامية وكانت وظيفتها اقتصادية فكان عمل المحتسب الأساسي منع الغش في الصناعة والمعاملات، وبخاصة الإشراف على الموازين والمكاييل وصحَّتها ونسبها،وقد ولى الرسول (ص) سمراء الاسدية منصب محتسبة على مكة وكان لها سوطا تضرب به الغشاشين من التجار على ذمة مؤرخي الإسلام وكذلك عين عمر ابن الخطاب(ر) الشفاء بنت سليمان محتسبة على المدينة المنورة.

ويشير ابن خلدون في مقدمته  إلى أن أبرز اختصاصات المحتسب: البحث عن المنكرات، والتعزير والتأديب على قدرها، وحمل الناس على المصالح العامة مثل المنع في المضايقة في الطرقات، ومنع الحاملين، وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، والضرب على أيدي المعلمين في الكتاب وغيرها عند مبالغتهم في ضرب الصبيان، ومنع الغش والتدليس في المعايش وفي المكاييل والموازين الخ.

الله تعالى لم

يعط سلطته في

الدنيا لبعض الناس

ليعاقبوا باسمه

نلاحظ إذن أن وظيفة هذه الهيئة كانت تتماثل مع وظائف مختلف هياكل الشرطة اليوم، بيد أن التصور الوهابي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعلت منها بوليسا دينيا.يصادر الحريات الفردية وينتهك الحقوق الطبيعية.

وفي هذا السياق من المهم أن نذكر انه على المستوي العقائدي لا يحق لأي مجموعة أوهيئة أن تدعي تمتعها بحصانة إسلامية خصتها بها السماء من دون كل المسلمين ونزهتها عن النقد والسؤال، حيث أن القداسة والعصمة من الصفات المطلقة لله وحده.

الله تعالى لم يعط سلطته في الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه، من كفر به أومن اختلف معهم في الرأي، والذين يدعون لنفسهم هذا الحق المزعوم إنما يتقمصون دور الإله حيث لا إله إلا الله، ويتحكمون فيما رغب عن التحكم فيه رب العزة حين ترك العقل الإنساني حراً بلا قيد، يفكر بلا حدود ويؤمن إذا شاء، ويكفر إذا أراد، ويعلن ذلك بجوارحه كيف أراد.

فالقران الكريم أكد انه لا الإكراه في الدِّين بسائر أنواعه، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال، وبالاختيار. وقد أورد الرّازي في تفسيره لهذه الآية في "مفاتح الغيب":

 أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكّن والاختيار... لمّا بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر

قال بعد ذلك:

إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك ممّا لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان

ونظير هذا قوله تعالى:

فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]

 وقال في سورة أخرى:

 وَلَوشَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]

 المتمردون ضد الليبرالية

كما أكد الإسلام على الفصل بين المجال العام والمجال الخاص، وهو ما  يتيح للإنسان الانفلات من قبضة الجماعة والتمتع بحقه في الوجود كفرد مستقل ويعتبر هذا الفصل عماد الحداثة السياسية باعتبارها منظومة فكرية متكاملة تتقاطع فيها مجموعة من الثنائيات: الدولة والمجتمع، المجال العام والمجال الخاص، المواطن والفرد، الحياة العامة والحياة الخاصة.

يقول الرسول (ص) في هذا الصدد ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ويقول كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه ويضيف (ص) "من ستر علي مسلم في الدنيا ستر الله عليه يوم القيامة ولا تتبعوا عثرات المسلمين، فإنه من تتبع عثرات المسلمين تتبع الله عثرته، ومن تتبع الله عثرته  يفضحه ولوفي جوف بيته". ويندد الرسول الكريم بتفتيش الضمائر عندما يقول "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا إني لم أأمر أن أنقّب عن قلوب الناس".

وترتبط هذه الضوابط التي أرساها الله ورسوله بحرية الإنسان واحترام آدميته وصون كرامته، وحياته الخاصة فلا يتطفل عليه متطفل ولا تنتهك أسراره وأموره الخاصة.

أما على المستوى المجتمعي فالهيئة تخترق منطقة شائكة هي منطقة "الحديث باسم الله" فهي تدعي تطبيق شرع الله بينما هي تسعى إلى فرض قراءتها الخاصة والأحادية للإسلام دون أن يخامرها شك أنها تطرح فهمها هي لإسلام ولنصوصه بينما يسمح علماء الإسلام بالاختلاف في فروع الشريعة بقول عدد منهم بان الحق يتعدد باختلاف المجتهدين وقول بعضهم انه يجوز أن يأتي في الشريعة دليلان متعارضان.

أكد الإسلام

على الفصل بين

المجال العام

والمجال الخاص

ويبين لنا تاريخ الإسلام أن الشيخان أبي بكر وعمر اختلفا في نحو ثلاثين مسالة وقضية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر سبي أهل الردة وقسمة الأراضي المفتوحة أوتأميمها والمفاضلة في العطاء وقضية الاستخلاف وهناك مسائل خلافية أخرى ورد ذكرها في الموطأ يمكن الرجوع إليها. أما اليوم فالاجتهادات متعددة،متنوعة، مفتوحة على التطور والتكيف مع المستجدات، ففي حين تمنع المرأة السعودية من قيادة السيارة بتعلة سد الذرائع يفتي حسن الترابي بحق المسلمة الزواج ممن تحب إذا كان غير مسلم، معترفا لها بالحق في الزواج من اليهودي والمسيحي والوثني، ويعترف للمرأة بالمساواة في الشهادة والإرث، كما تلغي الحكومة الإسلامية التركية في الدستورعقوبة الزنا والإعدام وتقر للمسلم بالحق في تغيير دينه فأية شريعة من الشرائع ستطبقها هيئتنا وستسعي إلى حمايتها يا ترى؟

أما على المستوى النفسي فهذه الهيئة تخاطب غرائز الشعب وأوهامه عن نفسه، وعن العالم الذي يعيش فيه خاصة عندما تجعله يعتقد انه أصبح يد الله سبحانه وتعالى وعينه على سطح الأرض وهوما يندرج في إطار الهذيانات المرضية  كما أنها تؤجج لديه الميكروفاشية أي تلك الرغبة السادية المتأصلة في أعماقنا رغبة التحكم  في سلوكيات الآخر ومتعة التسلط عليه ومصادرة حرياته.

 باي تونس حمودة باشا الحسيني: الرفض "للرسالة الوهابية"

وأخيرا على السلطات في تونس أن تواجه هذه الهيئة التي تحلم أن تتحول إلى دولة موازية بكل شجاعة وحكمة. فالأمر بالمعروف ليس شأناً دينياً يقوم به رجال الدين من تلقاء أنفسهم، بل هوشأن دنيوي يقوم به حصراً "ولي الأمر"، الذي هوفي الإسلام، كما يقول الإمام محمد عبده: "حاكم مدني من جميع الوجوه".

وإذا ما اندفع متعصب إلى تطبيق الحدود من تلقاء نفسه فهويرتكب جناية"الافتئات" أي اغتصاب سلطات ولي الأمر وانتحال صفته، وعندئذ يُعاقب مرتين مرة على الاعتداء على ضحاياه من المواطنين الأبرياء وانتهاك حقوقهم ومرة على الافتئات.

ولنا في استقبال علماء الزيتونة في مطلع القرن التاسع عشر "للرسالة الوهابية"، تلك التي أرسلها سعود بن عبد العزيز بن سعود إلى باي تونس حمودة باشا الحسيني (1795-1814) على شاكلة رسالة "أسلم تسلم" التي بعث بها الرسول إلى ملوك الأرض، والتي حثه فيها على تبني "المذهب" الوهابي أسوة حسنة، فقد كان رد علماء تونس من الرسالة الوهابية من منطلق شرعي تأصيلي لا يبيح قتال المسلمين أو إرهابهم لاختلاف الرأي، باعتبار أن أمنهم وأموالهم ودماءهم حرمات معصومة بمنطوق الشرع وروحه.

 

 

المراجع

فخرالدين الرازي: التفسير الكبير.مفاتيح الغيب, دار الكتب العلمية ، بيروت، 2000م.

ابن خلدون: المقدمة, الدار التونسية للنشر ١٩٨٩.

أحمد بن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان، الدار التونسية للنشر، ١٩٩٠.