حسن محسن رمضان

تُعتبر مسألة العصمة الإلهية عند الأنبياء (وعند المذهب الشيعي للأئمة أيضاً) أحد المسائل التي تم تداولها في التراث الفقهي مع أوجه خلاف متعددة. وعلى الرغم من أن "العصمة"، كمصطلح، كان غائباً تماماً عن نصوص التاريخ الإسلامي المبكر، بل إن الدلالة النصية لأخبار هذه الفترة المبكرة في الإسلام تدل بصورة واضحة على أن المسلمون الأوائل لم يتعاملوا مع النبي محمد على أنه “معصوم” مطلقاً في أقواله وأفعاله،

بل على العكس، لقد تعاملوا معه بمرونة تفترض ضمناً أنه باستطاعتهم مراجعته ومناقشته، بل وعدم القبول برأيه، فإن التصور الإسلامي الفقهي اللاحق في الزمان بقرنين على الأقل لمصطلح العصمة ومضمونها للنبي محمد هو مباين تماماً لِما تدل عليه نصوص القرآن والحديث والتاريخ.

المسلمون الأوائل

لم يتعاملوا مع النبي

محمد على أنه

“معصوم” مطلقاً

فما تدل عليه نصوص القرآن والأحاديث المنسوبة للنبي وأخبار السيرة أن العلاقة الثنائية بين النبي وأتباعه كانت ذات سقف عال من التفاعل الإنساني العفوي المرن في الأفعال والأقوال والردود والاعتراض، وتخضع أيضاً لمعايير ومحاذير وتقديرات اجتماعية واقتصادية وتراتبية واضحة. ويبدو أن هذا المحيط المرن من التعامل الثنائي بين النبي محمد وبين المسلمين الأوائل قد تفاقم إلى درجة أن المسلمون الأوائل لم يجدوا حرجاً في أن يتحاكموا إلى غير شخص النبي محمد أو حتى أن يردوا قضائه مما استدعى نزول آيات من القرآن لارجاع الأمور إلى نصاب معقول في التعامل بين نبي وأتباع يؤمنون بدعوته.

فالقرآن كان صريحاً جداً في توصيف ليس فقط الصراع الدعوي الإسلامي الأول مع من يكفر به، ولكن كان صريحاً أيضاً في توصيف الصراع الإسلامي – الإسلامي المبكر أيضاً، فنحن نجد في القرآن آيات مثل:

استطاعوا المسلمون الأوائل مراجعة النبي ومناقشته: صورة من "الآثار الباقية" للبيروني

وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ،

وأيضاً: ومِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،

وأيضاً: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ،

وأيضاً: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَة الرَّسُول،

بل إن النبرة القرآنية في آيات عديدة ترتفع لتدل على حدة هذا الصراع الإسلامي – الإسلامي المبكر في مثل هذه الآية مثلاً:

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قال الطبري عند تفسيره هذه الآية الأخيرة:

يعني جلّ ثناؤه بقوله: (فَلا) فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ويصدّون عنك إذا دعو إليك يا محمد،

ثم أورد الطبري ضمن تفسير الآية خبراً لأحد الأنصار يقول فيه للنبي محمد صراحة: (اعدل يا نبيّ الله وإن كان ابن عمتك) وذلك بعد أن حكم النبي بينه وبين الزبير بن العوام، ابن عمة النبي محمد، مما تسبب في غضب الأنصاري وغضب النبي معاً.

تناول كاتب هذه المقالة في كتابه (نقد نص الحديث[1]) مشكلة العصمة النبوية عند المسلمين الأوائل، كما تناول إشكالية التعريفات والمفاهيم عند الأنبياء في التصور الإسلامي. وقد أورد هناك عدة أمثلة على أن (العصمة النبوية) التي أصبحت مفهوماً مفروغاً منه وبديهياً في أذهان المسلمين في العصور اللاحقة هي ليست بتلك البداهة أو الوضوح في أذهان المسلمين الأوائل كما تشير بذلك أخبار تلك الفترة والأحاديث المنسوبة للنبي محمد مما يلقي بضلال من الشك على كلية هذا المفهوم وصحة توصيفه الشامل. بل إن المسلمين الأوائل كانوا يكررون على مسامع النبي محمد عبارة "قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر". وهذه العبارة بالذات هي جزء من آية قرآنية [الفتح، 2].

جبرائيل يوصل الرسالة إلى النبي - رسالة إلهية تخضع لتقييم الإنسان

فالتأكيد الإسلامي المبكر هنا فيما يخص "حالة" النبي هو لـ (الغفران الإلهي) الذي يتمتع به، ولكن هذه العبارة من جهة أخرى تؤكد على إمكانية، بل بداهة، صدور الذنب أو الخطأ من النبي بدليل اسباغ الغفران الإلهي المستمر عليه. إذ لو تواجدت العصمة بمعناها الشامل كما تدعي بعض الفرق الإسلامية فلا حاجة للنبي للغفران لأنه، وببساطة، لا ذنب له ابتداءً حتى يحتاج معه لغفران إلهي سابق أو لاحق.

بل إن الأمر قد تعدى ذلك عند المسلمين الأوائل ليتناول حتى مسائل البلاغ ذاتها، ثم لنجد أن النبي محمد يوافق على هذا الاعتراض "الإنساني" فيما يخص البلاغ "الإلهي". فقد أورد مسلم في صحيحه حادثة تشير بوضوح إلى مقدار "الحرية"، إن صح هذا التعبير، في مساءلة الصحابة للنبي حتى في مسائل البلاغ نفسها والتي يُفترض فيها العصمة الإلهية المطلقة كما تدعي كل الفرق الإسلامية من دون استثناء. فقد أورد مسلم في صحيحه عن أبي هريرة حديثاً قصَّ علينا فيه كيف أنهم افتقدوا النبي محمد بعد أن قام عنهم فأبطأ عليهم، فوجده أبو هريرة في حائط (بستان)، فقال النبي لأبي هريرة بعد أن أعطاه نعليه:

يا أبا هريرة، إذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مُستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة.

نجد أن النبي

محمد يوافق على

هذا الاعتراض

"الإنساني" فيما

يخص البلاغ

"الإلهي"

وعندما خرج أبو هريرة بنعلي النبي لينفذ هذا البلاغ للمسلمين كان أول مَن لقيه عمر بن الخطاب، ولمّا علمَ بما بُعِثَ به أبا هريرة، ضرب عمر بيده في صدر أبي هريرة حتى أوقعه أرضاً. يقول أبو هريرة: "فرجعتُ إلى رسول الله (ص) فأجهشتُ بُكاءً، وركبني عمر [أي لحقني]، فإذا هو على أثري. فقال لي رسول الله (ص): (ما لكَ يا أبا هريرة؟)، قلتُ: لقيتُ عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضربني بين ثديي ضربة"، وأخبره بأنه وقع أرضاً وأن عمر أمره بأن يرجع. ثم نقرأ أن عمر بعد أن تأكد من صحة كلام أبي هريرة، قال للنبي: "لا تفعل، فإني أخشى أن يَتَّكلَ الناسُ عليها، فخلِّهم يعملون". فقال النبي محمد: (فخلِّهم).

تقول الدكتورة ناجية بو عجيلة في كتابها (في الائتلاف والاختلاف – ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم) عند تطرقها لهذه الحادثة بين النبي وأبي هريرة وعمر:

يتضح من خلال الحوار أن عمر لم يهتم كثيراً بالطرف الذي صدر عنه الأمر، واهتمّ في المقابل بالأمر نفسه من حيث وجاهته أو معقوليته. ذلك أنه لم يُغيّر موقفه مما أتاه أبو هريرة حتى عندما علم أن الرسول هو الذي أمره بذلك.

من الملاحظ أن هذه الحادثة السابقة قد تسببت بـ "حرج" فقهي واضح من خلال محاولات التبرير التي قام بها المفسرون الذين استقرت مسلَّماتهم ومفاهيمهم من خلال التأصيل الذي قام به الشافعي في رسالته بعد حوالي قرنين من تلك الحادثة عن مكانة السنة النبوية من أقوال وأفعال. هذا التأصيل الفقهي الذي أراد أن يقوم بعمليات (تجميل) للتاريخ الإسلامي الأول حتى يوافق تلك المفاهيم والمُسلّمات الفقهية اللاحقة والذي أثبت النقد الحديث أن مواضع "الحرج" فيه كثيرة جداً. يقول الإمام النووي في شرحه هذا الحديث ومبرراً فعل عمر:

حاولوا المفسرون استقرار مسلَّماتهم ومفاهيمهم

أما دفع عمر رضي الله عنه [لأبي هريرة] فلم يقصد به سقوطه وإيذائه، بل قصد رده عما هو عليه، وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره. قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله: وليس فعل عمر رضي الله عنه ومراجعته النبي (ص) اعتراضاً عليه ورداً لأمره، إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبُشراهم، فرأى عمر رضي الله عنه أن كتمَ هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا، وأنه أعود عليهم بالخير من مُعجّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبي (ص) صوبه فيه.

ولم ينسَ الإمام النووي أن يستخرج من الحديث فوائد فقهية، ناسياً، أو بالأحرى متناسياً، أن الموضوع لم يكن شأناً دنيوياً، وإنما كان شأناً بلاغياً تجب فيه الطاعة المطلقة كما يؤكد الشافعي ويتابعه فيه النووي نفسه ويؤكد عليه في مواضع متعددة من شرحه للصحيح. يقول النووي:

وفي هذا الحديث أن الإمام والكبير مطلقاً إذا رأى شيئاً، ورأى بعض أتباعه خلافه، أنه ينبغي للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه، فإن ظهر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه، وإلا بَيّن للتابع جواب الشبهة التي عرضت له، والله أعلم.

هذه الحادثة قد

تسببت بـ "حرج"

فقهي واضح

ولكن، وعلى الرغم من أن الإمام النووي أكد لنا بأنه ليس في فعل عمر أي اعتراض على فعل النبي، فإن سياق القصة يقف على الضد والنقيض من هذا الرأي "المُحرَج جداً" من هذه الحادثة ووقائعها، وتقف القصة على العكس أيضاً من التأصيل الفقهي الذي تأسس في القرن الثاني الهجري ليؤكد للمسلمين اللاحقين بعد حوالي قرنين من الزمان على صورةٍ تتجاوز واقع الحال ومبالغٌ فيها بمراحل لموقع للسنة النبوية في أذهان وفهم صحابة النبي محمد في السنوات الأولى للدعوة. هذا إلى جانب أن نفس هذا التأصيل الفقهي الذي رأيناه مع الإمام النووي أعلاه يُصر في مواقع أخرى على أن البلاغ في الشأن الأخروي هو "الأصلح" للأمة بسبب المصدر الإلهي البحت المفترض للسُنة النبوية، ولكنه عندما يتم احراجه بمثل هذه الأخبار المعارضة لرأيه المتوهم هذا فإنه يلجأ إلى مثل تلك التبريرات التي قرأنا أحدها عند الإمام النووي. فهذا الخبر ليس شأناً دنيوياً كما هو واضح وجلي لأي قارئ منصف، لأنه يتعلق ببشرى أخروية بحتة.

فهذه الحادثة، على الحقيقة، وهناك حوادث أخرى أيضاً، تنقض كل التأصيل الفقهي الذي يصر على طاعة النبي حتى فيما ليس فيه نص من القرآن، وعلى درجة مساوية تماماً في الأمر الإلهي الذي فيه نص في القرآن، كما يؤكد لنا ذلك الإمام الشافعي في رسالته، وكما قال لنا بعده ابن تيمية مؤكداً هذا الموقف بقوله: "السنة أيضاً تُنزّل عليه بالوحي كما يُنزل القرآن"، ويوافقه تماماً الإمام ابن حزم في أن النبي "لا يفعل شيئاً إلا بوحي". فإذا كان هذا القرار الأخروي وحياً تنزّل على النبي، وهو “الأصلح” للأمة، فكيف جاز لعمر أن يراجع النبي فيه، وكيف جاز للنبي أن يتراجع عن "الوحي" في رأيه الأول؟

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)



[1], حسن محسن رمضان, نقد نص الحديث: جهيمان العتيبي واحتلال الحرم المكي كمدخل, دار الحصاد – دمشق  2010.