حسن منيمنة

لنحاول ابتداءاً التمييز بين الطائفية والمذهبية، إذ يعتري هذين المصطلحين بعض الإبهام. فكلاهما إشارة إلى عصبية تعتمد التوصيف الديني أساساً إلا أنه من الأصح إقصار استعمال الطائفية على عصبية قائمة على الجماعة، دون اعتبار للمعطيات الأخرى، فيما المذهبية عصبية قائمة على العقيدة. أي، وبعبارة أخرى أن الطائفية هوية، والمذهبية التزام.

فالعصبية الطائفية نابعة وحسب من الانتماء للطائفة، فيما المذهبية إشهار للقناعة بصحة العقيدة المنسوبة الطائفة وفساد عقيدة غيرها. أهمية هذا التمييز تكمن في رصد التحول في العصبيات المتداولة في الوسط العربي، وفي الموضوع السني الشيعي تحديداً، وعوامل الانتقال بها من الإطار الطائفي، وهو أمر واقع يتبدل حدة وعواقب بتبدل الأوضاع، إلى الإطار المذهبي، وهو حدث جديد على مستوى المجتمعات العربية ككل.

 مسلسل «الحسن والحسين»: يكشف عن السقطات الثقافية

فواقع المجتمعات العربية (إذا رضينا ببعض التعميم) هو أن الوعي الطائفي حالة قائمة، وإن تراوح من الحس بالهوية الطائفية إلى إضفاء الأولوية عليها مروراً بتنميط الآخر والنفور منه. غير أن هذا الوعي ليس مقروناً على الغالب ببعد عقائدي، بل هو أقرب إلى الأسرية أو العشائرية أو القبلية، كما أنه ليس بالضرورة الوعي الحاسم من حيث الهوية، لتداخل اعتبارات أخرى في صياغتها (قطرية، قومية، لغوية، طبقية، جهوية، حضرية، الخ). أما العصبيات المذهبية فقد كانت إلى أجل قريب حكراً ضمن الطوائف المختلفة على أقليات تعتمد المنحى الجدلي في استيعابها للعقيدة الدينية. وهذا المنحى، لا بد من التشديد، ليس بالضرورة انعكاس للالتزام الديني أو التدين. بل التدين سمة مستقلة بدورها عن كل من الطائفية والمذهبية.

 

الوعي الطائفي

حالة قائمة في

المجتمعات العربية

 

يمكن إذن أن يكون المسلم متديناً ملتزماً بدينه على أحد مذاهب أهل السنة والجماعة أو شيعة أهل البيت، دون أن يصاحب التزامه طائفية أو مذهبية، ويمكن أن يكون مذهبياً في التزامه الديني، كما يمكن أن يكون طائفياً، يفرّق في النظرة والتعامل بين السني والشيعي، دون أن يكون ملتزماً بدينه على الإطلاق. فالتدين  هو إلى حد ما شرط للمذهبية، دون أن يقتضيها طبعاً، ولكنه ليس شرطاً للطائفية.

والمؤسف اليوم، من خلال متابعة التطورات والتحولات الثقافية في المنطقة العربية، هو أن الطائفية، والتي جرى اعتبارها في أكثر من خطاب آفة لا بد من تجاوزها، ليست في طريقها إلى الزوال، بل هي تزداد ترسخاً. والأكثر إثارة للقلق هو أن المذهبية بدورها، بعد أن كانت طرحاً على هامش الحياة الفكرية، تكتسب زخماً وتتطفل على التداول الثقافي العام وتكاد أن تستقر في صلبه. ورغم أن المجتمعات العربية تشهد في بعض حواضرها ارتفاعاً للتدين، فإن استفحال المذهبية يعود أولاً لعوامل سياسية ولا سيما منها الإشكاليات المرتبطة بالتفاعل الإيراني مع المنطقة العربية.

 وعي أقرب إلى الأسرية أو العشائرية أو القبلية، سواء أكان في المجتمعات الشيعية ...

ويأتي مسلسل «الحسن والحسين» والذي تبثه جمهرة من القنوات العربية كشاهد بارز على التحول المقلق في تصاعد المذهبية. وهذا المسلسل هو الأول الذي تنتجه جهة تشهر الانتماء السني يظهر فيه الصحابة وأهل البيت، بعد أن كان هذا الظهور من المحرمات الضمنية أو الصريحة في الانتاج الفني العربي. وقد سبق هذا البرنامج مجموعة كبيرة من البرامج التي تتطرق إلى شخصيات دينية من انتاج إيراني مترجم صوتياً إلى اللغة العربية. فالتهمة الصادرة عن المذهبيين السنيين كانت أنه ثمة هجمة شيعية تهدف إلى تشويه التراث الديني والتاريخي من خلال إغراق الإعلام الترفيهي بالمسلسلات المفعمة بالوقائع المحرفة خدمة لأغراض فئوية.

ومسلسل «الحسن والحسين» هو بالتالي خطوة تصحيحية تقدم المقابل السني للرؤية الشيعية. ورغم النبرة الحادة، لا يمكن اعتبار التقييم الصادر بحق الانتاج الفني الإيراني برمّته تشهيراً جدلياً، إذ لا يخلو هذا الانتاج من الإيماءات والتصريحات ذات الطابع المذهبي، وإن اجتهد على الغالب بأن لا ينقل الخلاف إلى الواجهة. أما مسلسل «الحسن والحسين» فلا يجد حرجاً في وضع الخلاف في الصدارة.

والنقد هنا لمسلسل «الحسن والحسين»  لا يبرئ ساحة المسلسلات الأخرى طبعاً، بل يعتمد هذا المسلسل كنموذج، وذلك لصراحته التصعيدية التي تسمح بكشف أفضل لمعظم للسمات التي تلجأ إليها المسلسلات العقائدية. والسمات التي تستحق الإشارة هنا هي ثلاث:  (١) التعاطي اللاتاريخي مع الشخصيات الدينية،  (٢) الطعن المذهبي، (٣) ترسيخ  شرورية اليهود.

فإما أن الإسلام دين

هزيل أو أن أصحاب

هذا الطرح مخطئون

جملة وتفصيلاً

والسمة الأولى تخرج الشخصية ذات المقام الديني من الواقعية التاريخية، بل الإنسانية، لتجعل منها كياناً منزهاً عن الخطأ، خارق الذكاء، مقتصراً على مكارم الأخلاق. وإذا كان القصد بهذا التصوير هو التكريم فإن الانغماس به ترقية وتلميعاً يعطّل إنسانية الشخص ذي الصلة ويجعل منه صنماً قابلاً للتبجيل ليس إلا.

فكلام الحسن والحسين في المسلسل هو سرد متواصل من التعظيم والتعظيم المقابل. ولا يمكن الاستفادة من البرنامج على الإطلاق لفهم دوافع السبطين، على ما انضوت عليه دون شك من تردد وأخطاء، إذ هما قد استحالا صنمين منزهين. وبما أن التعطيل والتنزيه والصنمية يطال أيضاً شخص معاوية يصبح الخلاف بين الهاشميين والسفيانيين والذي استنفد طاقات الدولة الإسلامية الناشئة، مجرد اختلاف عرضي بين شخصيات مسطحة متآلفة.

أما الطعن المذهبي في هذا البرنامج فهو في الإصرار على تبرئة أهل البيت من مذهب أتباعهم، بل على تصوير المذهب على أنه نتيجة مؤامرة تهدف إلى تقويض أركان الأمة ووحدتها. وعليه، وبدلاً من الإقرار بالخلاف على مسائل الخلافة ثم الولاية، وهو خلاف قد تفاقم على مر القرون ولكنه ابتدأ عميقاً إن لم يكن قطعياً منذ نشأته بين الصحابة، يتجاوز البرنامج أصول الخلاف التي تفترض الصواب مع احتمال الخطأ للذات والخطأ مع احتمال الصواب للآخر، ليجعل من مذهب الآخر ليس خطأً وحسب، إنما كذب ناشئ عن سوء نية ومكائد ومؤمرات.

... او المجتمعات السنية

وتأتي السمة الثالثة لهذا البرنامج، ولمعظم الخطابيات المذهبية الإسلامية اليوم السنية منها والشيعية، لتتوج النقض المزعوم. فالمكيدة يهودية، ويكفي اليوم أن تثار كلمة «يهود» في أي استعمال عربي ليتم استدعاء الشر والفساد والباطل بمختلف أشكالها. ولا يتردد البرنامج باللجوء إلى اللغة الرمزية الغربية (والتي يسعى الغرب أن يتخلى عنها) في تصوير اليهود، مع الاسترجاع الانتقائي المنفوخ سلبياً لفصول التقاطع اليهودي الإسلامي عبر التاريخ، ولا سيما في زمن الرسول.

لنا إذن أن نتوجه بالشكر لمسلسل «الحسن والحسين» لأنه كشف لنا بشكل فج ثلاث سمات هي في واقع الحال سقطات في الطرح المذهبي الساعي إلى الاستقرار وسط الثقافة العربية. ولا بد من التأكيد إزاءه أن الشخصيات التاريخية، جميع الشخصيات التاريخية، هم بشر. وثمة فارق هام بين الاحترام الذي يقتضيه المقام الديني وبين إخراج هذه الشخصيات عن إنسانيتها وتسطيحها وإنكار الخلافات بينها. فهذه الخلافات هي تاريخنا، وإنكارها إنكار للذات. والفكر الذي ينزّه ويجعل من البعض أصناماً هو نفسه الذي يحقّر ويشرّر ويجعل من الآخرين شياطين. والمعضلة في هذا الفكر أنه مستقر في أسلوبه هذا ولكنه غير مستقر في استهدافاته. فالشياطين اليوم هم اليهود، ولكنهم كذلك الرافضة والوهابية، والعلمانيين والنصارى، أي الآخر كائناً من كان.

والواقع، في مسألة تأصيل التشيع، هو أن هذا الفكر المذهبي لا يكون لعموم المسلمين أو حتى للإسلام فائق الاحترام، فهل حقاً من السهل إلى هذا الحد، بأن يرمي أحدهم بعض الكلمات هنا وهناك، أن تجد الأمة الإسلامية نفسها مقهورة مفككة كما يصور أصحاب هذا الطرح؟ فإما أن الإسلام دين هزيل والمسلمين سذج بسطاء، أو أن أصحاب هذا الطرح مخطئون جملة وتفصيلاً، وأنه ثمة أسباب موضوعية لخلاف أدّى إلى نشوء مذاهب متباينة دون أن يكون تباينها سبباً للعداء.

والمشكلة ليست في مسلسل «الحسن والحسين»، بل في الثقافة التي تعتنق هذه السمات السقطات التي يكشف عنها هذا البرنامج، على أمل أن يجد من يتابعه في فجاجة السقطات دعوة لنقدها ونقضها.