نبيل الحيدرى

لم يجمع القرآن أيام حياة النبى محمد كلها حتى توفى، والقرآن غير مجموع أصلا. يعتقد بعضهم لأن النبى لم يعلم بتاريخ وفاته وقد فاجأه الموت لذلك لم يرتب جمعه قبل موته، ويعتقد البعض لانتظار النبى الناسخ لما يتغير حكمه وهنا كان منتظرا مترقبا لآخر الأحكام الشرعية حتى يجمعها.

كما يغالى البعض باعتبار القرآن أريد له التقديس فى الحفظ فى الصدور وكانوا يحفظون آياته لا النقش فى السطور والكتابة فيكون الشفاه والحفظ أعظم من الكتابة والتدوين. لذلك وغيره لم يجمع النبى القرآن فى حياته مما جعل إشكالية كبيرة فى جمع القرآن وتعدد المصاحف وحرق الكثير منها فضلا عن ادعاء التحريف الكبير بعد حروب الخليفة الأول أبى بكر وموت عدد كبير من الصحابة وحفّاظ القرآن  خصوصا واقعة اليمامة  وما يسمى ب (حروب الردة) أى ردة بعض المسلمين عن الإسلام بعد وفاة محمد حيث كانت شخصيته جامعة للقبائل المختلفة المتصارعة وعند موته انقلبوا عن الإسلام.

لم يكن هناك

إجماع ولا تواتر

أصلا فى جمع القرآن

وكذلك الإختلاف حول المرجعية بعده من قول بالخلفاء للسنة وقول بالإمامة للشيعة بعد موت العدد الكبير من الصحابة وحفظة القرآن حيث أن عمر بن الخطاب سأل عن بعض الآيات القرآنية فقيل له أنها كانت مع فلان الذى مات فى اليمامة فجاء عمر بن الخطاب إلى الخليفة الأول أبى بكر غاضبا وطالبا منه أن يجمع القرآن قائلا:

إنّ القتل قد أخذ بقراء القرآن وإنى أخشى أن أن يستمر القتل بالقراء فى المواطن حتى يفقد كثير من القرآن وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن

لكن الخليفة أبا بكر تردّد رافضا وهو يقول (كيف لى أن أقوم بعمل لم يقم به رسول الله فى حياته؟) فأجابه عمر (لكنه خير) وهكذا بدأ يراجعه مرارا وتكرارا حتى قبل بالأمر ورضى بجمع القرآن.

لما رأى عثمان نسخا مخالفة أمر بإحراقها جميعا

أبو بكر دعى زيد بن ثابت وطلب منه أن يجمع القرآن لوحده كونه شابا عرف بالصدق والأمانة والحفظ وكان الرسول يأتمنه على كتابة بعض آيات القرآن، لكنه تردد أيضا بأن هذا الأمر لم يقم به الرسول نفسه ولم يوص به أبدا فكيف يقوم به وهو أمر صعب قائلا (لو كلفت جمع جبل لكان أهون من جمع القرآن كله) لكن أبا بكر ظل يلحّ عليه حتى قبل.

واجه زيد مشاكل كثيرة حيث كان يأتى إلى ما كتبه البعض على جلود الحيوانات والرقاع والألواح والحجر والعسيب (جريد النخل) والعظام وأمثالها وكذلك صدور الرجال فيما كان البعض يحفظه. وكان يطلب زيد شاهدين على تلك الآيات وصحتها لكنه لم يتحقق ذلك دائما حيث وجد زيد مثلا آخر سورة التوبة عند أبى خزيمة الأنصارى دون غيره إطلاقا فثبتها فى مصحفه. بينما ادعى عمر آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ولم يشهد شاهد بصحتها أو سماعها من النبى فلم يثبتها زيد فى مصحفه.

وهكذا جمعه زيد فى نسخة واحدة بقيت عند أبى بكر محفوظة أمّا غيره من الصحابة فقد توجد نسخ أخرى تخالفها مثل نسخة على بن أبى طالب الذى آثر بعد وفاة النبى أن يبقى فى البيت لستة أشهر دون الخروج لصلاة الجمعة ولا الجماعة من أجل أن يجمع القرآن فى مصحف لوحده، ذلك المصحف يختلف كثيرا عن مصحف زيد... وهكذا لم يكن هناك إجماع ولا تواتر أصلا فى جمع القرآن فى مصحف واحد بل تعددت المصاحف بعد النبى.

بعد وفاة أبى بكر حصل عمر بن الخطاب على مصحف زيد وبقيت عنده وكان منشغلا فى الحروب والفتوحات حتى أنه لم يوزع النسخة ولا استنسخ منها وقد أوصى بعد وفاته أن تكون النسخة لمصحف زيد إلى بنته حفصة (زوج النبى محمد) وبقيت عندها.

بعد مجئ عثمان بن عفان جاءه حذيفة بن اليمان وهو يجد اختلاف الآيات والقراءات حول القرآن بين العراق والشام وغيرها فقال حذيفة (يا عثمان أدرك الأمة قبل اختلافها فى القرآن والآيات والقراءات).

قد أجمعت الكتب

الحديثية الأربعة

على تحريف القرآن

فطلب من حفصة أن تأتيه بنسخة زيد فرفضت. قام عثمان بتأسيس لجنة جديدة لكتابة القرآن فيها زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام لجمع القرآن وقد نصحهم عثمان عند اختلافهم مع زيد فى الآية أن يرجعوا إلى أهل قريش لأن القرآن نزل على لسانهم ولغتهم وكانت هنالك مشاكل جمة لذلك ألحّ عثمان أخيرا على حفصة أن يطابق نسخته مع نسختها وقبلت على مضض بشرط أن يرجعها لها لكنه وجد النسخة مخالفة كثيرا لما عنده فأحرقها وغضبت حفصة على ذلك كثيرا لأنها فقدت نسختها.

كما ناشد عثمان جميع المسلمين من يمتلك نسخة من المصحف أن يأتى به فلما رأى نسخا مخالفة أمر بإحراقها جميعا.

بينما هرب البعض من قبضة عثمان لأن بيده مصحفا يغاير مصحف عثمان ولا يرغب بإحراقه وتلفه مثل عبد الله ابن مسعود وعبد الله بن أبى وغيرهم فضلا عن مصحف على بن أبى طالب الذى يغايره كثيرا.

وهذا من أكبر الإشكالات فى حرق المصاحف المختلفة حيث لولا تباين النسخ واختلافها لما أحرقت المصاحف فى عهد عثمان.

من الكتب الشيعة فى تحريف القرآن: فصل الخطاب فى  تحريف كتاب رب الأرباب للطبريسي

وهنالك إشكال آخر على الخليفة فى أن كلمات الله كيف يجوز حرقها بالنار وهى كلمات إلهية. ثم قام عثمان بنسخ عدة نسخ من مصحفه إلى الشام ومكة والبصرة والكوفة والبحرين أما نسخة على بن أبى طالب فهى تختلف كثيرا عن تلك النسخة ويعتقد الشيعة أن عليا أعطاها لابنه الحسن ثم الحسين وهكذا دواليك حتى وصلت إلى المهدى المنتظر ليظهرها عند خروجه كقرآن مختلف جديد فى آخر الزمان.

فقد جاء فى الكافى للكلينى وهو أهم مصدر شيعى فى الأحاديث، عن هشام بن سالم عن أبى عبد الله (الإمام جعفر الصادق) أن القرآن الذى جاء به جبرئيل إلى محمد سبعة عشر ألف آية -أصول الكافى-الجزء الثانى-فضل القرآن. أى ما يقارب ثلاثة أضعاف القرآن المتداول والموجود حاليا.

وقد أجمعت الكتب الحديثية الأربعة (الكافى والفقيه والإستبصار والتهذيب) على تحريف القرآن وهى المرجع الأساس والأصل.

كما ألف الشيعة عددا من الكتب فى تحريف القرآن أهمها للمحدث نورى الهمدانى (فصل الخطاب فى تحريف كتاب رب الأرباب) وقد جمع فيه أكثر من ألفى حديث عن أئمة أهل البيت فى تحريف القرآن ومنها أن بعض السور قد حذفت منها الكثير حيث كانت سورة الأحزاب أكبر من سورة البقرة وأمثالها كثير.

إن طريقة جمع القرائين فى عهد أبى بكر وعثمان ثم حرق المصاحف المختلفة بالنار فى عهد عثمان يدل على تعدد المصاحف واختلافاتها.