الفة يوسف

من التّهم الشائعة التي يتجه بها البعض لكل من يتصدّى للاجتهاد في قراءة النصوص الدينية أنّ الاجتهاد حكر على أهل الذّكر دون سواهم. لا يمكن أن ينكر أحد أنّ كلّ من سيقرأ نصّا من النصوص ولا سيّما إذا كان ذلك النصّ "مقدّسا" يجب أن يتوسّل إليه بمناهج ومعارف متنوّعة ومتعدّدة.

ولكن المشكل أنّ من يمنع عن الناس الاجتهاد إنّما لا ينقد قراءة مّا من حيث المنهج أو المضمون أو الشّكل أو سواها وإنما ينقد مبدأ القراءة نفسه أي إنّه يصادر منذ البداية حقّ النّاس في قراءة القرآن خصوصا وسائر النصوص الدّينيّة عموما...وكثيرا ما يستند في هذه المصادرة إلى قول الله تعالى: "...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(النحل/43).

من يمنع عن

الناس الاجتهاد

يصادر حقّ النّاس

في قراءة القرآن

لن نتبسّط في هذا المقال في مسائل بديهية وإن تكن مفتقرة إلى مزيد البحث والتحليل شأن توجه الله تعالى بخطابه إلى جميع النّاس ودعوتهم بلا استثناء إلى تدبّر القرآن وآيه وتأكيد أنّه يخشى الله من عباده العلماء دون تحديد مرجع هذه الكلمة. لن نتبسّط في هذا كلّه ولكنّنا نريد أن نبيّن أنّ المصادرة المبدئية للاجتهاد في قراءة النصوص الدينية استنادا إلى الآية المذكورة إنّما هي أمر قابل للنقاش والنّظر بالعودة إلى تفاسير القرآن ذاتها لعبارة "أولي الذّكر"...

يقول الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "(النحل/43).

المعنى الشّائع اليوم:

أهل الذكر آخر - أهل التوراة: صورة من "الأنبياء" للرسام جون سينجر سارجنت (1856-1925)

تستعمل عبارة "اسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون" لبيان ضرورة أن يضطلع بالنّظر في مجال الدّين من يتمتّع وفق المجموعة بصفة "أهل الذّكر". وعادة ما تشمل هذه الصّفة هذه الأيّام لدى أهل السنّة ذَكَرا ممّن تشهد له الجماعة بالتفقّه في شؤون الدّين. أمّا لدى الشيعة فتسند هذه الصفة إلى الأئمّة الّذين تميّزهم درجة عليا تجعلهم يعرفون ما لا يعرفه سواهم. وقد يختلف النّاس طبعا في تحديد أهل الذّكر ولكنّ اتّفاقهم حول شخص أو مجموعة منها يسمح بإقصاء من يُتصوّر أنّهم لا ينتمون إلى أهل الذّكر.

المعنى الممكن وفق مقام الآية:

إنّ الخطاب في الآية موجّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم" (من قبلك)، وهو يثبت أن الله تعالى قد أرسل قبل محمّد رسلا آخرين اصطفاهم بالوحي. وفد وردت الآية في مقام حجاج مع من ينكر نبوّة الرسول محمّد على أساس أن الله تعالى ما كان يختار مجرّد بشر لاصطفائه بالرسالة. وهذا ما نقله الطبري في تفسيره عن ابن عبّاس إذ "قال: لمّا بعث الله محمّدا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمّد". وقد ذهب الرّازي في مفاتيح الغيب إلى أن الآية تشير إلى إحدى شبهات النبوّة من منظور المشركين فقال: الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون: الله أعلى وأجلّ من أن يكون رسوله واحداً من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكا".

لا بدّ من الوعي

بأنّ الذّكر

والعلم نسبيّان

إنّ الآية إذن تريد أن تثبت لمنكري نبوّة الرّسول أنّ سابقيه ممن اصطفاهم الله تعالى بالوحي كانوا أيضا من البشر، وتحتجّ لذلك. ومَنْ أكثرُ قدرة لكي يشهد أنّ سابقي الرسول من الأنبياء هم من البشر سوى أهل الذّكر من الّذين "قد قرؤوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده" (تفسير الطبري). وقد يخصّص أهل الذّكر بأنّهم أهل التوراة إذ "الذّكر هو التوراة. والدّليل عليه قوله تعالى "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذّكر"  (الأنبياء/ 105)" (تفسير الرازي). وقد يعمّم معنى أهل الذكر فهم "أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له" (تفسير الرازي).

أهل الذّكر: من الّذين "قد قرؤوا الكتب من قبلهم"

والمهمّ أنّ أهل الذّكر ليسوا بالضّرورة موضوع الصّراع التأويلي الّذي نلحظه هذه الأيام بين بعض المسلمين. وليس أهل الذّكر من يعدّهم أهل السنة وأهل الشيعة وأصحاب المذاهب جميعها، أهلَ ذكر إذا وافقوا مواقفهم وقراءاتهم وينفون عنهم صفة أهل الذّكر إذا ما قدّموا قراءات مختلفة لهم. والأهمّ أنّ أهل الذّكر الذي يطلب منّا القرآن سؤالهم متّصلون بسياق ومقام إنكاري تاريخي مخصوص.

فإن قيل إن خصوص سبب النّزول لا يمنع إمكان القراءة العامّة للآية قلنا إنّنا لا ننفي ذلك ونرى من الجائز إخراج الآية من سياقها والحديث عن ضرورة سؤال أهل الذّكر أي أهل العلم في حال استعصاء الجواب وشحّ المعرفة. ورغم أنّ هذا الكلام يصبح من البديهيات كقولك إن على الإنسان أن يشرب في حال العطش فإنّه لا بدّ في كلّ الأحوال من الوعي العميق بأنّ الذّكر والعلم نسبيّان إن من المنظور الزّماني أو من المنظور المكاني أو من المنظور الاعتباري التعييني. وهذا الوعي بنسبية القراءة البشرية هو السبيل الوحيد لفتح باب الإصلاح والحوار والاجتهاد.