شاكر النابلسي

العالم اليوم عندما يقلق على مصر، وهي تصارع العسكر، بعد أن كانت تصارع السياسيين المحترفين، الساعين إلى التوريث، والإقامة الدائمة في كراسي الحكم، كملوك الحق الإلهي المطلق في القرون الوسطى، فإن مرد ذلك من أن مصر هي ميزان الديمقراطية في الشرق الأوسط وهي "بيضة قبّان" الديمقراطية، التي إن تحققت فيها، فقد تحققت في أرجاء كثيرة من العالم العربي الثائر والذي على وشك الثورة.

عملية اغتيال الرئيس انور السادات في عام ١٩٨١

وإذا كان الغرب اليوم خائفاً من تولي الجماعات الإسلاموية كالإخوان المسلمين والحركات السلفية الحكم في مصر، فهل لهذا الخوف مبرر له؟ فيبقى السؤال: إذا ما وصل الإخوان المسلمون والجماعات السلفية في مصر إلى الحكم هل يستطيعوا تنفيذ ما يرفعون الآن من شعارات على أرض الواقع المغاير تماماً لشعاراتهم؟

 العالم يتعولم بسرعة. فعصر الدولة القومية، والهوية النقية، والعقيدة الخصوصية، يتعرض اليوم لطوفان كبير وغالب، هو العولمة، التي تريد وحدة العالم، لا وحدة أقطار معينة فقط. وتريد هوية عالمية واحدة، لا هويات إقليمية متعصبة، تحارب بعضها بعضاً. والأصوليون، يسعون  إلى "الاستقلال الحضاري" المزيف والمتخيّل، وتدمير الحضارة التنويرية الأخرى، التي أطلق عليها الأصوليون "جاهلية القرن العشرين". ولكن وصولهم إلى السلطة أصبح يسيراً للأسباب التالية:

1- أن الشعب المصري، شعب متدين عاطفياً أكثر من أي شعب عربي آخر.

2- أن الشعب المصري، ينصاع بسهولة لقيادة رجال الدين.

3- أن الشعب المصري، يخشى عصيان قادته سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين.

4- أن أطول تاريخ للأحزاب الدينية/السياسية، كان في مصر. وأن معظم الأحزاب الدينية/السياسية العربية انطلقت فكرتها وإيديولوجيتها من مصر.

5- أن الأحزاب الدينية/السياسية المصرية حريصة حتى الآن على إقامة الخلافة الإسلامية، وقد جاء هذا في عدة تصريحات لقادة الإخوان المسلمين والكثير من الحركات السلفية.

تتمسك الأصولية

بخطاب سياسي

متخيّل

تتمسك الأصولية بخطاب سياسي متخيّل. وتنشر خطابها الديني الشعبوي في الأرياف والأطراف والطبقات الفقيرة الأميّة.[1] وتمزج هذا الخطاب بالخرافات، والأساطير، والشعوذات، وتقديس الزعماء، والقادة، ورجال الدين. وفي مصر بالذات، بدأت الأصولية بالتأسيس لما أُسميه "الكنسسة الدينية". أي إقامة كنيسة دينية متمثلة بالأزهر ورجاله، الذين يلبسون لباساً كهنوتياً خاصاً. ولديهم تراتبية دينية، ليست بالضرورة على غرار التراتبية المسيحية، أو التراتبية الشيعية، ولكنها تقترب منها.

 أيمن الظواهري: من صادرات مصر 

ومن مصر، انتشر زي رجال الدين الخاص بالعمّة والقفطان.. الخ. في كل العالم العربي، ما عدا دول الخليج، التي يلبس فيها رجل الدين كما يلبس الآخرون. والخطاب الديني الشعبوي الذي تنشره الأصولية - وخاصة المصرية – لصيق بالخطاب السياسي الشعبوي القائم على الخرافات، والأساطير، وتخيل المؤامرات، والدسائس. وقد أدى كل هذا إلى نوع من (الهمبكة) الدينية، ثم (الهمبكة) السياسية. وكانت نتيجة تغلغل الأصولية في مصر على هذا النحو، انطلاق الإرهاب والعنف الديني، في كافة أنحاء العالم العربي من مصر.

فالإخوان المسلمون انطلقوا من مصر، منذ 1928، وانتشروا في كافة أنحاء العالم العربي، وخاصة دول الخليج، وعلى وجه الخصوص السعودية. والفكر الإرهابي وفكر العنف، انطلق من مصر،
[3] وزاد الطين (بلّة) المصري الإخواني منّاع القطان، والسوري الإخواني محمد سرور بن نايف زين العابدين اللذان هاجرا إلى السعودية.

 الاخواني السوري محمد سرور: صُنع في مصر

والتنظيم السري للإخوان المسلمين الذي كان هو الآخر، مرضعة الجماعات الإسلامية الإرهابية التي اغتالت السادات 1981، وحاولت اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا عام 1995، انطلق من مصر. والجماعات الإسلاموية الإرهابية، التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين،[4] انطلقت من مصر. والأصوليون الذين احاطوا بابن لادن، والذين خططوا له، وساعدوه على حرق العالم، وتدمير الحضارة الإنسانية وعلى رأسهم أيمن الظواهري، مصريون.[5]

وكما كانت مصر "أُم الدنيا" كما يردد العامة، فقد كانت مصر كذلك "أُم الأصولية" كما يردد الخاصة، عن وعي وعن قراءة متأملة للتاريخ والأيام.



[1] بلغ عدد الأميين - حسب آخر تقارير الأمم المتحدة - في العالم العربي 110 مليون أمياً من النساء والرجال.

[3] سيّد ومحمد قطب اللذان يعتبران الثديين المدرارين لفكر الإرهاب بكتابيهما: "معالم في الطريق"، و "جاهلية القرن العشرين".

[4] "التكفير والهجرة" و"الجهاد الإسلامي" في مصر، و"حزب العدالة والتنمية"، و "جمعية العدل والإحسان" في المغرب، و "حزب التجمع والإصلاح" في اليمن، بقيادة عبد المجيد الزنداني، وأخيراً "الحرية والعدالة"، الحزب المصري الجديد التابع للإخوان المسلمين، وغيرهم.

[5] وبعد مقتل ابن لادن 2011، تم اختيار محمد إبراهيم مكاوي ( سيف العدل) المصري الجنسية، قائداً وزعيماً لتنظيم" القاعدة "الإرهابي.