عبد الخالق حسين

الإسلام السياسي يعني تسييس الدين الإسلامي لأغراض سياسية. فالإسلام، وكغيره من الأديان، هو دين الغرض منه تنظيم العلاقة بين المؤمن والخالق وتعاليم الرب لما فيه الخير للناس وفق ما جاء في الكتاب المقدس لذلك الدين. ولكن غرض الإسلام السياسي هو توظيف الدين ومشاعر المؤمنين لأغراض سياسية لا علاقة لها بالتدين، بل للهيمنة السياسة على الدولة وعلى مقدرات البلاد والعباد لمصلحة فئة معينة في القيادة.

في مقالي هذا، أود تسليط الضوء على الأسباب التي أدت إلى ظهور الإسلام السياسي في القرن العشرين، والذي بدوره أدى إلى ظهور التطرف والإرهاب ضد كل من يرفض السير على سكتهم من المسلمين وغير المسلمين، وبالأخص العداء الشديد للحضارة الغربية وقيمها الإنسانية. والبحث في هذا الموضوع طويل وشائك جداً، ولكني أحاول الاختصار قدر الإمكان.

الاخوان المسلمون: أسلوب التدريج والمراوغة

بدأ الإسلامي السياسي السني بتشكيل حزب (الأخوان المسلمون) في مصر على يد الشيخ حسن البنا عام 1928 وبدعم وتوجيه المملكة السعودية. لذلك فلهذا التنظيم علاقة بمذهب الوهابية الذي تأسس على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر في شبه الجزيرة العربية. وتعاليم هذا المذهب تتلاءم مع طبيعة الصحراء العربية القاسية بما عرف عنها من جفاف وشح الأرزاق وخشونة في طباع السكان البدو، لذلك أباحت الوهابية الغزو والنهب والسلب ضد غير المسلمين، وحتى المسلمين من غير أتباع الوهابية باعتبارهم كفار وبالأخص الشيعة.

وتزامنت ولادة الحركة الوهابية مع تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الشيخ محمد بن سعود وفي نفس البلاد، فأقيم تحالف بين العائلتين، السعودية وعائلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فالأولى تدير أمور الدولة، والثانية مسؤولة عن التوجيه الديني والتربية والتعليم، وتضمن ولاء الناس للسلطة السياسية وتسخرهم للدفاع عنها. وهكذا استمرت العلاقة وإلى الآن.

ولم يكشف قادة الأخوان المسلمين الغرض السياسي من تنظيمهم في أول الأمر، بل اتبعوا أسلوب التدريج والمراوغة وفق الظروف. فظهر التنظيم في البداية كجمعية خيرية لتعليم الشباب والإرشاد الديني ومساعدة الفقراء. ولكن تدريجياً كشف قادة التنظيم عن حقيقتهم، فقاموا بأعمال العنف مثل اغتيال قادة حكوميين في مصر، وكان من بينهم رئيس الوزراء أحمد ماهر عام 1945. كما وقام الحزب فيما بعد بمحاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري جمال عبدالناصر عام 1965، واغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، ومحاولة فاشلة لاغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا في التسعينات من القرن الماضي.

هناك مهمة ضخمة

أمام المثقفين المسلمين

للعمل الجاد

من أجل وقف

هذا التدمير الذاتي

وبعد تصاعد الثروة النفطية في السعودية وفتح بنوك إسلامية وخاصة من قبل أمراء سعوديين (1)، في مختلف مناطق العالم، وبالأخص في البلاد العربية والإسلامية، صُرِفت أموال طائلة على فتح مدارس ومعاهد دينية بعشرات الألوف في مناطق مختلفة من العالم وبالأخص في مصر وباكستان وأفغانستان، تخرج منها طالبان وأتباع القاعدة، غرضها نشر التطرف الديني وفق تعاليم الوهابية، وتأسيس أحزاب إسلامية خرجت من رحم حزب الأخوان المسلمين في مصر، وبأسماء مختلفة مثل: جبهة الإنقاذ في الجزائر، وحماس في فلسطين، والنهضة في تونس...الخ. وهناك دراسة أمريكية تؤكد أن السعودية صرفت 87 مليار دولار لنشر التطرف الديني الوهابي خلال العقدين الماضيين. (2)

بالطبع هناك أسباب أخرى ساعدت على صعود المد الإسلام السياسي والتطرف الديني مثل الأزمات الاقتصادية وتفشي الفقر، والانفجار السكاني في بلدان العالم الإسلامي، وفشل حكوماتها شبه العلمانية في حل مشاكل شعوبها، كذلك الثورة الإسلامية في إيران، والثورة الشيوعية في أفغانستان التي جاءت بالغزو السوفيتي، ثم بترو دولار من دول الخليج العربية النفطية التي عملت على تأسيس ودعم وتسليح منظمات المجاهدين ضد الاحتلال السوفيتي، بما في ذلك تنظيم طالبان والقاعدة.. الخ.

وقد يسأل سائل، لماذا ظهر التطرف الديني في العالم الإسلامي في الخمسين سنة الماضية في عصر النهضة التي شهدتها الشعوب الإسلامية في القرن العشرين؟

والجواب هو أن العالم الإسلامي اليوم يمر بنفس المرحلة التي مر بها العالم المسيحي في أوربا في عصر النهضة والإصلاح الديني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث لوحظ أن التعصب الديني والحروب الدينية ظهرت في هذه الفترة بالذات، عندما قام مارتن لوثر في ألمانيا، وكالفن في سويسرا بالإصلاحات الدينية في القرن السادس عشر، وليس خلال القرون الوسطى المظلمة. والشيء نفسه يحدث الآن في العالم الإسلامي. والتفسير هو أن الصراعات تحدث إثناء الانعطافات التاريخية الحادة حيث التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، لأن الناس ليسوا متساوين في تقبل التغييرات. فالمجتمع في هذه الحالة ينقسم إلى معسكرين، أحدهما مع التغيير والآخر ضده، ولذلك تحصل الصراعات الدموية العنيفة بين المعسكرين.

يخلقون في الغرب نفس البيئة القمعية التي أجبرتهم على الفرار منها

والمسلمون ليسوا بمعزل عما يحدث في هذا العالم المتغير بوتيرة متسارعة، لأن تكنولوجيا المعلومات والثورة المعلوماتية، ووسائل النقل المتطورة، والاختلاط بين الشعوب عن طريق الهجرات الجماعية والسياحة المليونية، فتأثروا بما يجري في الغرب من تطور ولكن بدرجات مختلفة، فهناك قطاعات واسعة من المسلمين قبلوا بالتغييرات والحضارة ونمط الحياة الغربية. لكن في نفس الوقت هناك أقلية من المسلمين الذين يرفضون التغيير. ولذلك بدأت الصراعات على مدى السنوات الـ 50 الماضية.

وبالعودة إلى المثال الأوروبي، لقد عانت الشعوب الأوربية من حروب دينية وغير دينية مدمرة وطويلة، وكانت أبشعها الحربان العالميتان، الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، وقد بلغ الدول الأوروبية الآن سن الرشد والعقلانية، في حين أن الدول الإسلامية مازالت متخلفة. ولكن ما يبعث الأمل أن الذين يرفضون التغيير والعيش بسلام مع العالم هم أقلية، وهذا هو سبب لجوئهم إلى الإرهاب لتحقيق أغراضهم بالعنف، ولذلك فلا بد أنهم سينقرضون قريباً لأن التاريخ ضدهم.

والمفارقة هي أن المسلمين الذين يفرون من بلادهم بسبب ثقافاتهم الرجعية ونظمهم السياسية القمعية، فعندما يستقرون في الغرب، يريدون فرض ثقافتهم على البلدان المضيفة، ناسين أنهم بعملهم هذا فإنهم يخلقون في الغرب نفس البيئة القمعية التي أجبرتهم على الفرار منها.

وهذا هو السبب في أن هناك مهمة ضخمة أمام المثقفين المسلمين العلمانيين والليبراليين المستنيرين للعمل الجاد من أجل وقف هذا التدمير الذاتي الذي تقوم به الأقلية المتعصبة من المهاجرين المسلمين في الغرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- كامل النجار: "لعنة آل سعود"، الحوار المتمدن، ١٧ يونيو ٢٠١١.  www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=263674.

2- كورتين وينزر: "السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية"،  June/July 2007, Mideast Monitor www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11 .