سيد القمني

السؤال جد هام، وأيضا جد حساس، لكنه سؤال مطروح الآن بقوة في كل الدراسات الشرقية، وعلينا أن نطرحه أيضا على أنفسنا بهدوء نركن فيه إلى جانب العقل قبل القلب، وقبل النقل، وأن يكون هدف الإجابة ليس الانتصار للإسلام أوالانتقاص منه، أن يكون الهدف هومصلحة البلاد والعباد في زمن نتأرجح فيه على أرجوحة يقف إسلامنا في جانبنا على طرفها فوق جرف هار بلا قاع، وعلى الطرف الآخر تقف بكل ثقلها حضارة الإنسان المدني الحديث، قد تهتز باهتزازنا، قد تتمسك بطرفه لكيلا نسقط في قاع التاريخ المنسي.

لكنها لن تستمر كذلك طويلا دون جهد مضاعف من جانبنا للحؤول دون السقوط في ثقب التاريخ الأسود. وللمباشرة والدخول إلى صلب الموضوع يمكن طرح السؤال ببساطة: هل تخلفنا الذي يتندر به الركبان هوتخلف معرفي حضاري أم هوتخلف ديني؟

الأزهر: القاضي والخصم والحكم والجلاد

سيجيبنا أهل الدين كعادتهم المتعجلة في الإجابة للوقوع في الفخاخ، إن تخلفنا يعود إلى نقص شاب إيمان المسلمين، مما أدى إلى تخلي ربهم عنهم، وأخلص الأمريكان للصليب ويسوع فنصرهم، وهكذا تبدوالدنيا وفق هذه الرؤية كما لوكنا زمن آلهة جبل الأوليمب وأساطير الأدويسة والإلياذة، وهي قفزة هائلة إلى بطن الخرافة وارتداد نحوالأسطورة في التفسير، والعجيب أن هذا التفسير لتخلف المسلمين هو ما يروجه رجال دين المسلمين عبر كل الوسائل الإعلامية والدينية.

وما يفوت المشايخ وهم يطرحون رأيهم في أسباب التخلف تأثيما للناس وتذنيبا، أنهم هم المسئول الأول عن الدين الإسلامي طوال تاريخه، وأنهم يدعون حتى الآن أنهم المسئول عن الإسلام في الأرض، وممن ثم فإذا حدث التخلف في الجانب الديني فإنهم سيكونون هم المسئول الأول عن هذا التخلف، ومن ثم لن يمكن استمرار الثقة بهم بعد تخلف دام عشرة آلاف عام. لم يرعوا فيها دين الله حق رعايته التي حملوا مسئوليتها. فإن ردوا علينا أنهم لا سيطرة لهم على الإيمان داخل نفوس المؤمنين فهي منطقة ضمير حرة، قلنا لهم: قلتم قولة حق، لكنكم أيضا كنتم حراس الإيمان والمفتشين في الضمائر والحاكمين على الناس والمنفذين الأحكام حتى هذا اليوم، ويكفي للقارئ إلقاء نظرة واحدة على ملخص أعمال معهد البحوث الأزهري لعام 2004 وحده ليعرف عدد من أمسكهم هذا المعهد بتهم تتعلق جميعا بصدق الإيمان.

ولأنهم كانوا القاضي والخصم والحكم والجلاد عبر التاريخ حماية لهذا الدين، ولأنهم يزعمون أن تخلف المسلمين بسبب ابتعاد المسلمين عن دينهم، ولأنهم كانوا المسئول طوال التاريخ عن الدين في الأرض، فإن من قصر في حق دينه كل هذا التقصير لم يعد مؤتمنا على الدين ولا على الوطن ولا على الناس.

الدين برئ

من التخلف

كما هو برئ

من التقدم

لا مخرج لمشايخنا من هذا الفخ التاريخي إلا الاعتراف للناس بصدق الإيمان، وسحبهم كل تكفيراتهم وتأثيمهم للمسلمين البسطاء الذين لم يتربحوا بهذا الإسلام لا اليوم ولا أمس، ولم يقبضوا الهبات والأموال والصدقات والزكاة والرضي السلطاني ليحافظوا عليه. حافظوا عليه فقط لإنه دينهم وجزء عظيم من ثقافتهم وهويتهم، حافظوا عليه وهم يأكلون الفقر والفقر يأكلهم، ولأنهم ببساطة يحبون دينهم ويرفضون التخلي عنه.

وبعد هذا الاعتراف والسحب عليهم الاعتراف أن تخلفنا هو في الجانب العلمي المعرفي الحضاري، وهنا وبعد الاعتراف والسحب عليهم الانسحاب، لأنه لا مجال لرجال الدين في البحث العلمي في مختلف العلوم، بل هو مجال الفلاسفة وعلماء الاجتماع والتاريخ والرياضيات والفيزياء والكيمياء، وهذه علوم خارج نطاق الدين ولا يفهمها رجاله، لأنهم حتى اليوم يعيشون زمن القرن العاشر الميلادي يأسرون الأمة كلها داخل أسواره، ويريدون أن يدخلوا في منافسة حضارية مع أمم تعيش في القرن الحادي والعشرين؟ إنكم سادتي خارج المنافسة.

فهل يبدو من ذلك أن الإسلام هو الذي أدى إلى تخلف الأمة؟ إن السؤال هنا يغفل تقدم الأمة الإسلامية خلال القرون الأربعة الأول. إذن الإسلام ليس سبب التخلف! لكن إذا كان ذلك كذلك وأنه دين تحضر فلماذا نحن اليوم متخلفون؟

هذه علوم خارج نطاق الدين

يبدو أن هناك أختلاطا ما في المسألة يؤدي إلى التباسها، هو أن الدين في حد ذاته كدين ليس طرفا في الموضوع، إنما هو خارج اللعبة وبرئ من التخلف كما هو برئ من التقدم. وأن الإسلام كدين في حد ذاته لم يكن عنصرا في إنجازات الرازي والفارابي وابن الهيثم، وليس عنصرا في اختفاء العلماء من بلادنا منذ هذه الكوكبة اليتيمة التي نستدعيها نندب عليها حضارتنا الموؤدة دفاعا عن الإسلام والإسلام منها برئ.

فبالإسلام نفسه تقدمت دول أخرى في شرقي آسيا أطلقوا عليها لفورتها القاطرة نحو قطار الحضارة باسم النمور الآسيوية. وبالإسلام نفسه تعيش بقية دول المسلمين في مؤخرة الأمم. إن المشكلة ليست في الدين ولا في أي دين. لكنها في كيفية استثمار هذا الدين، فهناك من استثمره في التقدم، ومنه من يستثمره في التخلف.

هناك من احترم الدين فصانه بعيدا عن آلاعيب السياسة ودسائس المشايخ والسلاطين، وهناك من مازال يستثمره حفاظا على خط فكري نظري واحد ليظل سيد الموقف في كل شأن وكل أمر، وهو موقف لا تشغله الأمة ولا الناس ولا الدين بقدر ما تشغله سيادته وسيطرته على العقل المسلم واستمرار هذه السيادة السلطوية المستمدة من تعبد الناس.

إنه الموقف الذي يمثله كل مشتغل بالإسلام مهنة ومصدرا للربح، والذين يمكنهم تشكيل وعي الناس وفق الرغبات السلطانية والسلطوية. وهو الوعي الذي يتم وفق رؤية بعينها واحدة لا صح سواها، يزعمون أنها هي صحيح الإسلام وغيرها كافر آثم، مما لم يعط فرصة للرأي الآخر يوما بالظهور، لذلك لم تظهر معارضة في تاريخ المسلمين، وإن ظهرت فكانت وسيلتها الأيديولوجية قراءة أخرى لنفس الإسلام، لكن هؤلاء غالبا ما انتهى أمرهم في التاريخ الإسلامي في مجتمع لا يعرف سوى فرقة واحدة هي الناجية.

ها قد عثرنا على سبب أول يرتبط بالإسلام:

انعدام وجود رأي آخر يؤدي إلى جدل مثر ونقاش حول الدين وحول الحياة لتفرز جديدها، كما حدث عندما اختلف المسيحيون الأوائل في تفسيرات الإنجيل، وحول الذات والروح القدس، فاجتمع المختلفون في مجامع اعتمدت على قوة حجة المتعارضين، لينتهي الأمر بقرار يتفق علية الأغلبية، لتظهر خلافات جديدة لتعقد مجامع جديدة، وهكذا كان مجمع نيقية ومجمع خلقدونية ومجمع أفسس.. إلخ. كانت هذه بقايا ثقافة اليونان والرومان، أما على الجانب الإسلامي فكان أول مجمع وآخر مجمع هومجمع سقيفة بني ساعدة التي تقرر فيها شأن الفهم الإسلامي السائد سياسيا ودينيا وغيره باطل الأباطيل.

من الكوكبة اليتيمة: كتاب الحاوي في الطب للرازي

ودخل هذا الفهم محنا حتى استتب له الأمر مرورا بحروب أهلية طاحنة بدأت بحروب الردة وليس انتهاء بكربلاء، فظلت المنطقة الممنوعة المقموعة تظهر عبر التاريخ بقوة ثم لا يلبث أن يتم قمعها وإبادة أصحابها من الزنج إلى الحشاشين إلى القرامطة وغيرهم لم يبق منه جميعا غير المبدأ الخليفي القبلي الأول سائدا لا يقبل منافسة من سواه، بزعم أنه صحيح الإسلام كما يريده الله، كما لوكانوا قد عرجوا للسماء واستمعوا هناك إلى كل التفاصيل العجيبة التي دونوها في فقههم وتحليلاتهم وتحريماتهم وتفسيراتهم وفتاواهم من فهم الله نفسه، وأنه قد خصهم بالفهم دون غيرهم.

ولأن المسيحية من فجرها حدثت ناس زمنها بلغتهم ومفاهيمهم فأعطت ما لقيصر لقيصر وما لله لله فصلا للسلطات، قياما على مأثور يوناني مازالت مبادئ الديمقراطية لها فيه روائح.

فإن منظومة الخلافة الإسلامية المسربلة بالدين وحلف رجاله المحترفين كانت هي نموذج الدمج الكامل للسلطات دينية ودنيوية، باحتساب النبي الذي حاز كل السلطات بيديه في دولته الناشئة، نموذجا سنيا للحكم بحاكم مطلق السلطات والنفوذ وبرأي ديني واحد مطلق السيادة، غير مفرقين ما بين النبي كنبي أوحد خاتم النبيين، وبين ذواتهم كوارثين للنبوة والتي لا تورث.

يبدو أن سبب التخلف في النهاية هم رجال الدين أنفسهم مع حلفهم الانتهاري عبر التاريخ، ثم ألا يبدو خطابهم اليوم خطابا يعود للقرون الوسطى إذا ما قورن بلغة الحداثة اليوم؟
 

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)