شاكر النابلسي

في العالم العربي، لم تُعد المعاهد الدينية المتخصصة تُخرّج لنا علماء وفقهاء من وزن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والطاهر حداد، والطاهر عاشور، ومحمد الفاضل عاشور، وعلي ومصطفى عبد الرازق، وأمين الخولي، وعائشة عبد الرحمن، وغيرهم. والسبب واضح في ذلك، وهو تغيير المناهج الدينية المنفتحة، إلى مناهج دينية متشددة ومؤدلجة، وهذه هي التي تُدرَّس هذه الأيام. فكما نتعلَّم نُعلِّم.

من ناحية أخرى، قام معظم فقهائنا، وخاصة فقهاء الخليج ومصر، بإصدار كمٍ هائل من الفتاوى الدينية الشخصية على شكل (فرقعات)، لا تُلزم غير صغار العقول والدهماء من سواد الناس، من ذوي التدين الشعبي المكوَّن من الصوفية الطُرقية الشعبية، وبعض الخرافات، والأساطير، والعادات، والتقاليد المتوارثة، والغرض منها، إظهار العداوة الشرسة للغرب، وقيمه الثقافية والسياسية. وإثبات عدم الحاجة لهذه المفاهيم. ولفت الأنظار إلى هؤلاء الشيوخ، وجلب الشهرة والنجومية. فالشيخ الجزائري (فركوس) الذي حرَّم أكل "الزلابيا" في رمضان الفائت، أصبح أكثر شهرة من المغني الجزائري "الشاب خالد" أو الزعيم السياسي الجزائري أحمد بن بيلا. وفي عام 2006، وفي معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، تمَّ بيع بول البعير بتسعة جنيهات مصرية في زجاجات، من إنتاج شركة استثمارية مصرية - سعودية في مصر، تبيع بول البعير كعلاج للسرطان، والالتهاب الكبدي وانفلونزا الطيور!

زيادة نسبة الفقر والفقراء في العالم العربي

كل هذا وغيره حصل، بدل أن ينشغل معظم فقهائنا بالمسائل الكبرى كالليبرالية، والعَْلمانية، والحداثة، والعولمة، وغيرها من مفاهيم العصر الحديث، ويرفعوا من قدر الإنسان ودوره، في بناء الحضارة، ويضعوا عقل الإنسان في المرتبة الأولى في الحكم على الوقائع والحقائق، والفصل فيها، كما فعل مفكرو الأنوار في أوروبا. ولم يحاولوا التقريب بين هذه المفاهيم وبين الإسلام، كما فعلت المسيحية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وحتى اليوم. كما لم يحاولوا استيعاب الإسلام لهذه المفاهيم الجديدة، وتجديد وتنجيد الإسلام، على ضوء هذه المفاهيم الحديثة.

لقد استُعمل الدين وفتاويه للاسترزاق والتجارة. فبعض الفقهاء في منطقة الخليج، يتقاضون الملايين سنوياً مقابل تقديمهم برامج دينية مكررة ورتيبة في رمضان، أو المصادقة على بعض ميزانيات البنوك الإسلامية، وختمها بخاتم الشرعية الإسلامية. كما يفعل الشيخ القرضاوي مثالاً لا حصر، حيث يعمل مستشاراً شرعياً لمجموعة "البركة المالية"، المملوكة لرجل الأعمال السعودي صالح عبد الله كامل.

لقد استُعمل

الدين وفتاويه

للاسترزاق

 والتجارة

ويسعى بعض رجال الدين إلى الانتفاع من الدين في اكتساب سلطة سياسية. ففي كثير من الأحيان، وخاصة منذ 1990 بعد أزمة الخليج العراقية – الكويتية، أصبح كثير من فقهاء الخليج والجامع الأزهر في مصر من نجوم السياسة العربية. وبعد كارثة التاسع من سبتمبر 2001 وبروز الجماعات الإسلامية ذات المليشيات المسلحة، أصبح فقهاء الدين أكثر سطوعاً سياسياً خاصة عندما أصدروا الفتاوى الدينية الشخصية في تحليل أو تحريم الجهاد ضد القوات الأجنبية في العراق وأفغانستان. فقد حرَّم – مثالاً لا حصراً – الشيخ جمال البنا عام 2003 مقاومة القوات الأجنبية التي جاءت إلى العراق لتحرير الشعب العراقي من الطغيان والديكتاتورية، وقال إن الكافر العادل خير من المسلم الظالم. وأن العدل يُفضَّلُ على التدين في هذه الحالة.

 واعتُبر البنا من فقهاء الأنوار عِلماً بأنه لم يدرس في الأزهر، ولم يتخرّج منه. في حين حلّلَ الشيخ يوسف القرضاوي الجهاد، ضد هذه القوات، ودعا إلى تدفق المجاهدين بغض النظر عن سبب مجيء هذه القوات وهدفها. وهذا هو ما أطلقت عليه السلطات الأمنية السعودية، "الإرهاب المُحرِّض". وقالت بثلاثة أنواع من الإرهاب:

1- الإرهاب القاتل، وهو ما يقوم به الانتحاريون. و 2 - الإرهاب المُحرِّض، وهو ما يقوم به فقهاء الاجترار. 3 - الإرهاب المُثبِّت، وهو أخطر أنواع الإرهاب، حيث يقوم بعض الفقهاء والدعاة بمتابعة من قرر الإرهاب، ويدفعونه، ويشجعونه، ويتلون عليهم الأحاديث النبوية المُلفَّقة، ويحثُّونه، ويستعجلونه للسفر إلى أرض الجهاد.
لذا، فليس بمستغرب أن يصبح فقهاء الاجترار،  سبباً من أسباب:

 
 ضحايا الدعارة الشرعية

1- ارتفاع نسبة البطالة في العالم العربي، نتيجة لمخرجات العدد الكبير من الكليات والمعاهد الدينية. وهؤلاء الخريجون لا يجدون وظائف كافية، وإن كان يعمل معظمهم في "الإرهاب التحريضي" و"الإرهاب التثبيتي" كما سبق وشرحنا.

2- زيادة نسبة الفقر والفقراء في العالم العربي، نتيجة التركيز على التعليم الديني، وتخريج أكبر عدد من الفقهاء، وليس الخبراء والعلماء، الذين ينتجون الصناعة والتكنولوجيا.

3- زيادة كراهية الآخرين وعدائهم للإسلام من جرَّاء تلك الفتاوى الشخصية الحمقاء، التي يطلقها فقهاء الاجترار، والتي ألّبت الآخرين في الغرب والشرق على الإسلام، ودعتهم للسخرية الحمقاء من الإسلام.

4
- تحوّل الشارع العربي إلى شارع ديني، لا يسمع، ولا يقتنع، ولا ينقاد، إلا لبعض الفقهاء، وبمساعدة الأحزاب الدينية – السياسية. وأصبح هذا الشارع سنداً وسلاحاً فعالاً بيد الأحزاب الدينية – السياسية.

5- زيادة نسبة الدعارة، والاعتداء على النساء  في الأسواق التجارية والمدارس، نتيجة للتشدد، والتطرف الديني، لعزل الذكور عن الإناث بدءاً من مرحلة الطفولة، واعتبار النساء من التابوهات المحرمة، التي لا يجوز للرجال الاقتراب منها، وتضييق سبل العمل والزواج الشرعي. وقد تمثلت زيادة نسبة الدعارة الشرعية هذه، في تشريع "زواج المسيار"، و"زواج الاصطياف"، و"زواج البيزنس"، و"زواج الفرندز" .. الخ. وهذه الفتاوى تهدف إلى التخفيف من حدة الحرمان الجنسي للجنسين. وهي عين الدعارة وجوهرها. فالزواج هو بناء العائلة، وليس قضاء المتعة الجنسية فقط.

وهذا الصنف من شيوخ الدين هم فقهاء الاجترار، لا الأنوار.